الرئيسية | لحظة أخبار | لحظة ثقافية | مقاربات ودراسات | محمّد القادري يكتب: الدولة والوطن

محمّد القادري يكتب: الدولة والوطن

image_pdfimage_print
محمّد القادري*

محمّد القادري*

الوطن للجميع والدولة لذوي الامتياز، الدولة للأغنياء والوطن للفقراء، الدولة يبنيها الفقراء ويتمتع بخيراتها الأغنياء. هذه الخلاصة هي ما يمكن أن يخرج بها أي متأمل في مسار التاريخ الحديث للدولة العربية المعاصرة. وأي محاولة لمحاصرة مفهوم الدولة عبر صورها التي حددها الفلاسفة أو المفكرون على مر حقب التاريخ سيدخلنا في متاهات لا مخرج لها. فهناك من يربط مفهوم الدولة بالسلطة الإدارية الحاكمة، وهناك من يربطها بثنائية الجغرافيا والنظام مع اختزال الشعب في رقم إضافي تابع. وهناك من ينفذ بها إلى حدود الجمع بين الجغرافيا والشعب والنظام.
وينداح مفهوم الدولة إلى استتباعات مفاهيمية عدة كالحق والتجانس والوحدة. ومفهوم الدولة يستدعي كذلك مفاهيم أخرى، كالسيادة والسلطة والحق والقانون كما يرى ذلك بعض المفكرين. ولعل هذا الانثيال المفهومي والتداعي الاصطلاحي هو ما دفع “جون جاك روسو” إلى محاولة عقلنة العلاقة بين الدولة والفرد -المجتمع- بابتكار مفهوم العقد الاجتماعي، كحل أمثل لتوتر العلاقة بين المجتمع والدولة، أو بين الفرد ورجل السلطة. لكن هذا لا يعني أن روسو كان أول من عمل على تأسيس مفهوم العقد الاجتماعي. فلو عدنا إلى وراء قليلا لألفينا الفيلسوف “سبينوزا” يمنح للدولة مفهوما متقدما جدا، بعد تحديده لغائية الدولة حيث يرى أن “غاية الدولة تتمثل في ضمان الحماية للأفراد، وليس في ممارسة السلطة، بل إن على الدولة أن تضمن الشروط الموضوعية التي تمكنهم من استخدام عقولهم والعمل على تنميتها “، ومن ثم يؤكد الفيلسوف أن الحرية هي الغاية الأساسية من وجود الدولة.

كثيرا ما يتداخل مفهوم الدولة مع مفهوم الحكومة، مما يضفي على الدولة طابع الهيمنة والغلبة باسم السيادة، رغم ضبابية هذا المفهوم إذا أخضعناه للتشريح والتدقيق والتفصيل، واستحضرنا دور ووظيفة الدولة والمنشأ الذي يتحدر منه أفرادها، ودور المفكرين أو الطبقة المثقفة عامة ودور الجيش والأغلبية العظمى من أفراد المجتمع الذي تسوسه حكومة ما. وإذا كان الغرب قد طور من مفهوم الدولة بدءًا من منتصف القرن الثامن عشر، إثر موجات النقد العلمي الذي رعته مختلف العلوم الاجتماعية والسياسية، وهو ما يمكن أن نجد له إرهاصات في كتب التاريخ القديمة، في الأدبيات التي تتناول علاقة الحاكم بالمحكوم، والتنصيص على حقوق الإنسان الكونية ثم إلى مبدإ العدالة الذي عرف تطورا كبيرا مع ظهور ما يسمى بالمجتمع المدني، حيث تم نحت مصطلح العدالة الاجتماعية؛ الذي انثالت منه مفاهيم المساواة والمواطنة وتوزيع الثورة وحتى توزيع الأدوار والمسؤوليات داخل المجتمع والدولة ومنها الحقوق والوجبات ……إلخ.

هكذا يتشعب مفهوم الدولة في تطوره التاريخي، وتحولاته المفاهيمية دون أن ينعكس هذا التطور وتلك التحولات على مفهوم الدولة في الوطن العربي. فنحن إذا ما استعرنا تعريف توماس هوبز لهذه الدولة المهيمنة والمستحوذة، فإننا نوافقه تمام الموافقة على وصفه إياها بالدولة التنين البحري أو “الوحش الضخم “.

*كاتب تونسي 

مقالات الرأي لا تعبّر إلاّ عن وجهة نظر أصحابها

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: