شريط الأخبار
الرئيسية | لحظة أخبار | لحظة ثقافية | مقاربات ودراسات | محمد القادري يكتب: تجلّيات الدفاع عن الوطن

محمد القادري يكتب: تجلّيات الدفاع عن الوطن

image_pdfimage_print

download

“وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه * * * نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي”

محمّد القادري*

محمّد القادري*

لايمكن الدفاع عن الوطن، عن قضاياه الكبرى، عن رهاناته المستقبلية والمصيرية بنوع من الخوف أو الحسابات التكتيكية الضيقة، خاصة إذا كان هذا الوطن يشهد نكوصا على مستوى تأهيل المواطن، وإدماجه في المنظومة الكونية للدفاع عن الأوطان، كما نتابعها عند الأمريكيين، كتجلٍّ قويٍّ لمظاهر إبراز الذات، أو عند الدول الاسكندنافية، كتجلٍّ هادئ لتقدم متحكم فيه، أو عند إيران، كتجلٍّ لإرادة قوية من قبل المسؤولين الذين اختاروا أن يلعبوا دورا وطنيا حقيقيا.
الوطن للجميع؛ هذا على مستوى التنظير وبيع الوهم. الوطن للقلة؛ هذا على مستوى الواقع العربي عموما والتونسي خصوصا. من هنا أصبح الدفاع عن الوطن مهمة كل التونسيين، وخاصة الطبقة المسحوقة، الطبقة المفعول بها، الطبقة المهمشة، الطبقة المعدمة.
لماذا أصبحت الدعوة إلى الدفاع عن الوطن دعوة ملحة وضرورية ولازمة؟
للجواب عن هذا السؤال الذي يتردد عندنا جميعا، بطرق مختلفة وبصيغ متعددة، علينا فقط أن نعاين ما يجري، أن نتابع الأحداث وطريقة معالجتها، أن نراقب مستوى تطورنا في جميع مفاصيل حياتنا. يمكن النظر إلى مستوى التعليم؛ أهم ركائز التطور الحضاري للأمم، النظر الى مستوى مختلف خدمات المواطن. أهم مؤشر لقياس استجابة النظام لحاجيات المواطن. النظر إلى مستوى المسؤولين العلمي والمعرفي للوقوف على بوصلة الوطن وإلى أين يتجه، النظر إلى مثقفيه لمعرفة طبيعة خاماته ومعادنه الإنسانية، النظر إلى مستوى جامعاته ومؤسساته البحثية.
الدفاع عن الوطن لا يقتصر فقط على رفع البندقية والاعتكاف عند الحدود الجغرافية، وتبادل إطلاق النار مع العدو، رغم شرف المهمة ونبلها. فهناك دفاع آخر لايقل أهمية وقدسية، إنه بالدرجة الأولى يكمن في تحصين المواطن ضد أمراض الفشل والإحباط والجهل والفقر، فهذه هي الأمراض الاجتماعية التي يصعب معالجتها أو تداركها. لايمكن لقائد يفتخر بشخصه أن يقود أمة من الجهلة والجبناء والمعوزين. فهذا وحده كافٍ للتدليل على فشله الشخصي وعلى ضرورة تغييره بقائد يمتلك نخوة وعزة نفس وكبرياء، بحيث يخرج شعبه من الظلمات إلى النور، من الجهل إلى العلم، من الفقر إلى الرفاه، من الخوف إلى الإقدام، من التبعية إلى الإستقلالية. ففرد واحد يستطيع هزم جيش بكامله في عالم اليوم.
أصبحت أخطاء الحكومة والنظام تمثل وصمة عار على جبين الوطن الراهن. وزراء دون مستوى مناصبهم، ومستشارون قصارى طموحهم أن يجمعوا الثروات، وينهبوا خيرات الوطن. ومثقفون مدجنون إلى درجة الانبطاح والتكلس، وشعب لاحول له ولاقوة في تغيير واقعه. وكأن الفقر والجهل والخوف هي الصفات التي خلق الله سبحانه وتعالى عليها هذا الشعب.
ربما ضاع الإنسان التونسي -العربي- مع ضياع علمائه وفقهائه، ومفكريه و سياسيّيه، فهم يعتبرونه دائما جاهلا أميا غير مسؤول مازال لم يرتقِ بعد إلى درجة المواطنة فهو إلى الآن يسمى رعية. أما علماء الفيزياء فيرون أنه لو اتّسقت كل ذرات الإنسان في نسق واحد لاختفى عن الأنظار؛ بمعنى أن الإنسان طاقة لا حد لها، وأما الرياضيون فيعتبرون الإنسان معادلة رياضية لا نهائية وإن توصل العلم اليوم إلى معادلة الحمض النووي، فهذا الحد يمثل للرياضيات جدار بلانك الفيزيائي. أما علماء الاقتصاد فإنهم يجعلون الإنسان مركز الثروة ومحورها. بينما الفلاسفة يرون أن الإنسان هو الجسر والهدف. والدين يعتبر الفرد أمة، والأمة قوة.
فكيف نعتبر نحن الفرد أو المواطن التونسي اليوم ؟
إنهم يعتبرونه مجرد مادة لامتصاص الدم ومراكمة الثروات، وإسفلتا يمشي فوقه القوم وأسيادهم، إنهم يعتبرونه مجرد كائن لم يبلغ بعد سن الرشد وخلق ليقاد لا ليقود وهو في مرتبة الكفيف دائما يحتاج إلى دليل.
آن الأوان للدفاع عن المواطن التونسي -العربي- وإخراجه من دوامة المتاجرة واللعب السياسوي العقيم. فنحن مجبرون على العيش الكريم في وطن واحد. وعلى كل فرد منا أن يدافع عن الوطن انطلاقا من موقعه، وحسب كفاءته.

هل نستطيع ذلك؟؟.

*محمّد القادري؛ كاتب تونسي 

=================================

ملاحظة: مقالات الرأي لا تعبّر إلاّ عن وجهة نظر أصحابها

=================================

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: