الرئيسية | لحظة أخبار | أخبار وطنية | متابعات ميدانيّة/ ماذا يحدث في مستشفى الأطفال بباب سعدون؟

متابعات ميدانيّة/ ماذا يحدث في مستشفى الأطفال بباب سعدون؟

image_pdfimage_print

الأستاذ محمّد رضا البقلوطي

العناية بصحّة الأطفال من الأولويات الّتي تنبني عليها المنظومة الصحّية لضمان تنشئة صحيحة. لذلك من الضّروريّ أن يكون الاِهتمام أكثر بهذه الشّريحة، خاصّة الرضّع، وما يحتاجونه من ظروف أفضل وحظّ أوفر من جودة الخدمات الصحيّة.

ولقد جاء في الفصل 38 من الدّستور التّونسي- 2014- ما يؤكّد على جودة الخدمات الصحيّة المقدّمة للمواطن التّونسي “الصحّة حقّ كلّ إنسان. تضمن الدّولة الوقاية والرّعاية الصحيّة لكلّ مواطن وتوفّر الإمكانيات الضّروريّة لضمان السّلامة وجودة الخدمات الصحيّة…”

جودة الخدمات الصحيّة

وأذكر أنّه خلال فترة كتابة دستور 2014 من طرف المجلس الوطني التّأسيسي وأثناء تشريك منظّمات المجتمع المدنيّ في لقاءات لإثراء الحوار والنّقاش حول مضمون فصول الدّستور أسعدتني المشاركة في هذه اللّقاءات والدّعوة إلى إضاقة كلمة “جودة” للخدمات الصحيّة…

شعورا منّي بالمساهمة كمواطن ناشط في المجتمع المدني في متابعة وضع المنظومة الصحيّة وتقديم المقترحات والتّوصيات من أجل أداء أفضل لقطاع الصحّة ببلادنا، وعلى غرار متابعتي لعدد من المؤسّسات الصحيّة أثناء زيارتي لها مثل ذلك مصحّة الضّمان الاِجتماعي بحيّ الخضراء واِستحسان منظومة المعالجة المعلوماتيّة للحصول على الأدوية من الصّيدليّة بالمصحّة.

هل من منظومة معلوماتيّة؟

وقد أشرت إلى نجاح التّجربة والّتي تضخفّض من مدّة اِنتظار المريض بحصوله على الدّواء على عكس التّباطؤ الّذي شاهدته في مصحّة الضّمان الاِجتماعي بصفاقس نتيجة العدد الكبير من المرضى وطول الاِنتظار في غياب منظومة معلوماتيّة شبيهة بما يوجد بمصحّة حيّ الخضراء.

اليوم أتوقّف عند مستشفى الأطفال بباب سعدون لأنقل الوضع على اِمتداد حوالي 24 ساعة (30- 31 جويلية 2018).

عدم التّلاؤم بين عدد المرضى والإطار الطبّي

الملاحظة الأولى: العدد الكبير من الأطفال سواء الّذين يحضرون إلى القسم الاِستعجالي أو المقيمين وكذلك العيادات اليوميّة لا يتماشى والإمكانيّات الماديّة والبشريّة المتوفّرة حاليا، لذلك من الضّروريّ مراجغة جذريّة للموضوع من حيث عدد الأطبّاء والإطارات شبه الطبّية والممرّضين والأعوان.

وليس من المعقول- مثلا- وجود ممرّضين إثنين خلال فترة المناوبة اللّيليّة في جناح يعجّ بالأطفال من مختلف الأعمار وخاصّة أولئك الّذين لا يتجاوز أعمارهم 6 أشهر، كما أنّ القاعات مكتظّة، إذ أنّ حاجيات الأطفال لبست هي نفسها لغيرهم من المرضى، إذ هم يستحقّون عناية خاصّة من حيث قضاء حوائجهم وضرورة تفقّد وضعهم الصحّي بصفة مستمرّة إذ لا يمكنهم الاِنتظار.

ويمكن التوقّف عند هذه النّقطة لأشير أنّه ليس هناك تقصير في أداء الإطارات الصحيّة الرّاعية للمرضى من الأطفال خلال فترة خارج تلك المخصّصة للفحوصات والزّيارات الدّورية للأطبّاء، لكن أمام العدد الهائل من المرضى وقلّة عدد الأعوان، فيمكن الاِستعانة بالخدمات الإيجابيّة الّتي يمكن للأمّهات المرافقات لأطفالهنّ المقيمين بالمستشفى والمحتاجين لرعاية دقيقة وخاصّة.

وللأمّهات دور في الإحاطة والمرافقة

هذا الدّور الطّوعيّ للأمّهات المرافقات، وحسب الإمكانيّات المتاحة، من الضّروري زيادة إحكام تنظيمه ووضع إطار أكثر فاعليّة ولئن توفّرت هذه التّجربة لكن بقيت محدودة وغير عادلة إذ تخضع في بعض الأحيان إلى اِستثناءات وغير شفّافة.

ولنتوقّف عند بعض الملاحظات الّتي أمكنني جمعها لدى سماعي لمجموعة من الأطراف المعنيّة. عديد الأمهّات بقدر اِستحسانهنّ فكرة مرافقة الأمّهات أطفالهنّ الّذين هم في حاجة أكثر من غيرهم إلى وجود الأمّ بالقرب منهم ومن بين الاِستنتاجات:

الأمّ تكون بمثابة السّند لمهمّة الإطارات الطبيّة وشبه الطبيّة الّذين يتولّون الإشراف الطبّي، والأمّ تقوم بحاجيات الطّفل الخصوصيّة والضّروريّة، من ذلك النّظافة والرّعاية النّفسيّة نظرا للصّلة الّتي تجمع بين الأمّ والطّفل الّذي عادة ما يرفض الاِبتعاد عن الأمّ بل يجد في حضورها خير سند وطمأنينة وهو ما يؤهّل توفّر مناخ أفضل لتلقّي العلاج، كذلك من حيث التّغذية سواء الإطعام من طرف الأمّ أو عن طريق الرّضاعة الطّبيعيّة.

الأسبوع العالمي للرّضاعة الطّبيعيّة

إذ أنّ وجود الأمّ بجانب رضيعها يسهّل على تمكينه من رضاعة طبيعيّة صحيّة لما في الرّضاعة من فوائد كثيرة وكبيرة للأطفال، ونحن نحتفل بالأسبوع العالمي للرّضاعة الطّبيعيّة من 1 إلى 7 أوت 2018 بالإمكان المساعدة على تهيئة مجتمع يشجّع على الرّضاعة الطّبيعيّة ومساعدة الأمّهات على الإرضاع الطّبيعيّ في أيّ وقت وفي أيّ مكان.

أمّهات تنقذن رضّعا

أعود لأتوقّف عند بعض الاِستنتاجات من خلال ما شاهدته أو اِستمعت إليه من بعض الأمّهات أو الإطار الصحّي أو الشّهود:

  • وجود الأمّ بجانب اِبنها، وإن يُعلن عنه ظاهريّا، فإنّه يخضع إلى تراتيب وشروط معيّنة فإنّه بقي رهين اِستثناءات ومحاباة.
  • إحدى الأمّهات بيّنت ما عايشته من حادثة وهي ترعى رضيعها المقيم بالمستشفى إذ وجدت نفسها مجبرة بالإسراع إلى الممرّضة المكلّفة بالدّوام عند ما لاحظت شيئا غير عاديّ في مستوى المحضنة الّتي فيها رضيع، غير اِبنها، في نفس الغرفة بعد تعطّل في الجهاز وصدور رائحة غير عادية… من ألطاف الله كان تدخّل الإطار الطبّي في الوقت المناسب وإنقاذ الموقف وإنقاذ حياة رضيع…
  • رضيع آخر في موقف حرج له ضعوبة في التنفّس وكان كثير الحركة والتقلّب الّذي نتج عنه اِلتفاف الغطاء على كامل جسمه بما في ذلك الرّأس وبالتّالي تعرّضه لحجب الهواء ومزيد تعطّل العمليّة التنفّسيّة. ومن ألطاف الله أنّ إحدى الأمّهات المرافقة لطفلها في نفس الغرفة بالمستشفى لاحظت ذلك، بحكم ملاحظتها لوضعيّة الرّضيع الّذي تعرّض لتلك الصّعوبات، فأسرعت لإزاحة الخطر في اِنتظار إشعار الإطار شبه الطبّي.
  • أطفال مؤضى يعانون صعوبة التنقّل لقضاء الحاجة، مثال ذلك الطّفل وقد تورّمت رجلاه وعجز عن الحركة يضيح ويطلب من يسعفه لينتقل إلى بيت الرّاحة لقضاء حاجته لم يستمع إليه هو الآخر. تولّت أمّ لرضيع مقيم بنفس الغرفة التدخّل لمساعدة الطّفل المعنيّ.

عدد كبير من المرضى.. قلّة في الإطارات.. نقص في التّجهيزات

مستشفى الأطفال يبقى دوما من الأولويات ضمانا لصحّة أطفالنا، لذلك من الضّروريّ توجيه مزيد العناية ودراسة الأوضاع الّتي يشهدها يونيّا من ضغط في عدد المرضى وقلّة الإطار وضعف في التّجهيزات. كذلك السعي لخلق جو نفسي ملائم بهذا الفضاء بعيدا عن الضّوضاء والتشنّج بمشاركة كلّ الأطراف وخاصّة تفهّم أولياء المرضى، وتقبّل الأطراف الطبية وشبه الطبّية وأعوان الصحّة…

ماذا وراء التشنّج بين الإطارات الطبّية والأولياء؟

محاولة أعوان وإطارات المستشفى مزيد بذل الجهد للتّعاطي مع الوضع خاصّة عند حالات التشنّج وتلافي التّصادم مع أولياء المرضى الّذين يجب تفهّم وضعهم النّفسيّ.

وهنا من المفيد توفّر إطارات مختصّة في علم النّفس للتدخّل عند الضّرورة لفضّ النّزاعات بين أولياء الأطفال المرضى والأعوان والإطارات الطبية، ويمكن إسهام منظّمات المجتمع المدنيّ ذات الاِختصاص في المساعدة على توفير الإطار لذلك.

فوجود وسيط يساعد على تجنّب تأزّم الوضع وإعادة التّوازن والتّهدئة (حالة باشرتها في ساحة مستشفى الأطفال: صياح وعويل اِمرأتين أدخلتا نوعا من التوتّر لدى المرضى والزوّار ممّا نتج عنه تجمّع كبير حول المرأتين. في حالة من الدّهشة، تقدّمت لأستجلي الأمر وبعد محاولة تهدئة وحوار مباشر مع المرأتين تبيّن أنّ إحداهنّ أدخلت اِبنها إلى المستشفى في حالة حرجة، بعد الحديث معهما أمسكتا عن الصّياح وردّدت كلمات طلبا للشّفاء للطّفل المريض).

معنى ذلك أنّ محاولة التدخّل لتهدئة الأوضاع أمر مهمّ في نشر جوّ مناسب داخل المستشفى، وهي مسؤوليّة مشتركة.

لا يشكّ أحد في أداء الإطار الطبّي وشبه الطبّي من أجل إنجاح مهامّهم وفي تعاملهم مع منظوريهم، غير أنّه في بعض الأحيان يأتي اِستثناء يخلق عدم اِنسجام بينهم وبين أولياء المرضى.

أمّ تُمنع من مواصلة مرافقة اِبنها لأنّها اِنتقدت تصرّف ممرّضة

من ذلك ما ذهبت إليه إحدى الأمّهات الّتي اِلتقيت بها في بهو المستشفى في حالة غضب وهيجان معبّرة عن اِستيائها لما تعرّضت إليه من صدّ وعدم تمكينها من مرافقة طفلها المقيم بعد أن عبّرت عن عدم رضاها بواقعة حدثت في غرفة بها اِبنها رفقة أطفال آخرين لمّا لاحظت ما قانت به ممرّضة من أخذ زجاجة رضاعة أحد الأطفال لتعطيها لطفل آخر في حالة هيجان واِنفعال لتهدئته… الأمّ أعربت عن هذا الرّفض باِنتقال زجاجة الإرضاع من فم إلى آخر قد يكون له اِنعكاس سلبيّ على الطّفلين، نفسيّ للأوّل وقد يسبّب للثّاني مشكلا صحيّا مثل العدوى حسب تقديرها…

أطفال في حاجة ملحّة لمساعدة

إنّ نقص عدد الأعوان في جناح إقامة الأطفال المرضى لا بسهل العناية الخصوصيّة للمرضى الرضّع والأطفال الّذين لا يستطيعون التّعبير عن رغبتهم في طلب قضاء الحاجة البشريّة والذّهاب إلى بيت الرّاحة، مثلا، فينتج عن نقص العناية اِنعكاسات سلبيّة على الأطفال، لذلك فإنّ وجود الأمّ، بقدر المستطاع، يساهم في تخفيف الوضع، ولو وجود أمّ على نستوى غرفة واحدة بها مجموعة من الأطفال ويعهد إليها طوعا برعاية من حولها.

وأذكر أنّه في لقاء إعلاميّ سابق لمدير مستشفى الأطفال حول مرافقة الأمّهات لأطفالهنّ المرضى أعلن أنّه إجراء مرتبط بطاقة اِستيعاب المستشفى المحدودة الّتي لا تتجاوز 322 سريرا (في حدود النّشاط الطّبيعيّ) في حال تخصيص أسرّة للأمّهات سيكون ذلك على حساب الأطفال المرضى ممّا يحدّ من طاقة اِستيعاب المستشفى.

هل من حلّ جذريّ لمرافقة الأمّهات لأطفالهنّ؟

في الحقيقة إنّ الأمر لا يتعلّق بإيجاد سرير للأمّ بقدر ما هي حاجة ملحّة لوجود الأمّ بجانب طفلها غذلك خير ضمان لمتابعة مكمّلة للجهود الّتي يقوم بها الإطار الطبّي، وكذلك وجود الأمّ طيلة الفترة هو خير مراقبة مستمرّة لما قد يحدث في غياب الإطار الطبّي لقلّة العدد وكثرة المرضى. كما أنّ الأمّ بإمكانها مرافقة من حولها من الأطفال المرضى المقيمين بنفس الغرفة الّتي يوجد فيها طفلها… لذلك فإنّ إيجاد كرسيّ مريح للأمّ يعتبر كاف في صورة عدم توفّر الأفضل.

الضّرورة لأكثر من مستشفى للأطفال

إنّ مستشفى الأطفال هو اِستثناء من خصوصيّته والحاجة إليه في اِنتظار وجود أكثر من مستشفى للأطفال في العاصمة وداخل الجهات.

مستشفى البشير حمزة بباب سعدون يمكن الاِرتقاء به إلى مستويات أفضل على مستوى البنية الأساسيّة وعدد الإطارات الطبّية وشبه الطبّية والأعوان، والإسراع في إصلاح الأعطاب على مستوى التّجهيز وعلى سبيل المثال التّعجيل بإصلاح السكانار.

تداخل بين الاِستعجالي وقسم العيادات

العمل على التّنظيم في مستوى القسم الاِستعجالي.. فقد لاحظت تداخلات بين مهامّ الاِستعجالي والعيادات اليوميّة المعتادة الّتي قد تؤثّر سلبا على الاِستعجالي من حيث تشارك نفس الفضاء الّذي يصبح خلال الفترة النّهاريّة، أي منذ السّابعة صباحا، أرضيّة مشتركة بوجود عدد مهول من العيادات…

مزيد تنظيم عمليّة الدّخول تلافيا للتّدافع

كذلك ما لاحظته هو ضرورة تنظيم عمليّة الدّخول إلى المستشفى في مستوى الباب الرّئيسي في حدود السّابعة صباحا عند فتحه تمّ حصول تدافع كبير جدّا قد يؤدّي إلى حوادث اِصطدام وسقوط باِعتبار تدافع الأولياء والأطفال أنفسهم القادمين للعلاج.

فلو يتمّ تنظيم خاصّ قبل فتح الباب من طرف أعوان الاِستقبال وذلك بتمكينهم من أرقام أو توجيه مسبق أو دعوتهم للاِصطفاف قبل ذلك فيسهّل ذلك دخولهم باِنتظام.

على مستوى قسم الاِستعجالي، فمن المقترح أن يتمّ تنظيم الدّخول إليه من الباب الخارجيّ الخاصّ به لا عن طريق الباب الرّئيسي للمستشفى، وبذلك تكون تراتيب الدّخول أفضل وباِتّباع المسلك المنطقيّ.

تحسين الخدمات مسؤوليّة مشتركة

مهما تعدّدت النّقائص وتنوّعت الإخلالات، فإنّ مستشفى بشير حمزة بباب سعدون يحتاج دوما مزيد العناية من طرف السّلط وتشجيع إطاراته الصحيّة والإداريّة والأعوان لمواصلة تحسين الأداء والإنتاج ودعوة أولياء المرضى لوقفة إيجابيّة باِعتبارهم طرفا أساسيّا، كذلك دعم المجتمع المدنيّ للنّهوض بهذا المكسب الصحّي..

ودعوة الحكومة لتوفير حاجيات المستشفى وفتح مستشفيات أخرى للتّخفيف عن مستشفى باب سعدون سعيا لمزيد ضمان جودة الخدمات الصحيّة.

تقدير لجهود كلّ العاملين

تحيّة تقدير إلى كلّ الأطراف المساهمة في عمل هذا المستشفى، وخاصّة الإطار الطبّي وشبه الطبّي في القسم الاِستعجالي الّذين لاحظنا تفانيه في أداء مهامّه رغم الصّعوبات، وكذلك بقيّة العاملين في مختلف المصالح داخل المستشفى… حيث لاحظت معاناة مختلف الأطر الطبّية نتيجة الاِكتظاظ سواء في العيادات اليوميّة أو في الأقسام الدّاخليّة. وقد لامست ذلك سواء من خلال حواري مع العديد منهم أو ما شاهدته عن قرب…

ضرورة الإسراع في دراسة المعوقات

فدعوة ملحّة إلى وزارة الصحّة وللمصالح المعنيّة للإسراع في دراسة مختلف الصّعوبات الّتي يشهدها المستشفى والمساعدة على إيجاد الحلول المناسبة…

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: