شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | ليلة القدْر

ليلة القدْر

image_pdfimage_print

الأستاذ البحري العرفاوي

هل هي ليلة قَدْر واحدة؟ هل هي ليلة بمفهوم زمنيّ أي ليلة من بين ليالي شهر رمضان؟
لماذا قال الرّسول صلى الله عليه وسلم اِلتمسوها في العشْر الأواخر من شهر رمضان؟
أعتقد أنّ ليلة القدْرِ هي ليلةٌ لـ”مَرْقََى روحى” وليست لموعد زمني… “مَرْقى روحي” بمعنى بلوغ أرقى درجات الصّفاء الرّوحي والسموّ النّفسي والاِعتدال الإيماني بفعل دُرْبة اِستثنائية في شهر رمضان على مغالبة الشّهوة وتهذيب النّفس ومغالبة الغريزة وملازمة الذّكر والاِستغفار وتلاوة القرآن… بلوغ “ليلة القَدْر” هي “حالةٌ” من “التّماسّ” تحدث بين عالم النّفس أو الرّوح وعالم الغيب بما هو عالم الكمال والجمال والحقيقة، وهذا معنى قوله تعالى في القرآن “لا يَمَسّه إلاّ المطهّرون” و”المسّ” هنا لا بمعنى اللّمس، و”الطّهارة” ليست نظافة الجسم، فـ”المسّ” هو “مسّ” المعنى وإدارك الأسرار وتحصيل اللذّة المعرفية والجمالية والقيمية وهي “حالة” لا تحصل إلاّ لمن بلغ درجة من “التطهّر” الرّوحي أي الصّفاء والنّقاوة بفعل مكابدة النّفس ومجاهدة الغريزة وتليين لواعج الجسد واِهتياجاته الشّهوانية بما يحقّق اِعتدالا بين الأبعاد التّكوينية الثّلاثة للإنسان: الرّوح، العقل والجسد.
ليلة القدر إذن هي “حالة” يُنتظر تحصيلها بعد عشرين يوم على الأقلّ من “المكابدة” الرّوحية وهي “حالة” ليست متاحة للجميع وليست موعدا يُدركه كلّ من اِنتظره ساهرا ذاكرا متعبّدا كلّ العشرة الأواخر فكم ساهرا قلبه نائم وكم ذاكرا بلسانه قلبه غافل وكم حاضرا بجسده وروحه باردة باهتة، فأنَّى له بليلة القدر بما هي “حالة” اِختراق لحُجب الغيب واِنزياح في عوالم الجمال والكمال والحقيقة؟
أعتقد بهذا التّعريف أن ثمّة ليال لـ”القَدْرِ” يدركها صفوة الصّفوة من تلاميذ “المدرسة” الرّمضانية. إنّهم “النّجباء” يتفاوتون في مراقي الرّوح ومدارج الغيب فُيدركونها كلّ في “ميقاته” الرّوحي على اِمتداد “العشرة الأواخر”، وثمّة من لن يُدركها العُمرَ كلّه ولو ظلّ يحرس ليالي الشّهر كاملة.
كثير من محدودي الفهم الدّيني يتعاملون مع ليلة “القَدْرِ” بما هي “فُرْصةٌ” لا بما هي “حالة” اِنقداحٍ روحي و”تحصيلٌ”، ولذلك نراهم “يتكاسلون” في العشرين يوم الأولى ويُقلّون من التعبّد ثمّ في العشرة الأواخر يتزاحمون على المساجد أو يحاولون “اِقتناص” اللّيلة تلك حتّى من بيوتهم وهم يقيمون حتّى مطلع الفجر… هؤلاء أشبه ما يكونون بتلاميذ كسلاء لا يبذلون جهدا في التّحصيل المعرفي ثمّ في آخر السّنة يتقدّمون للاِمتحان مراهنين على “ضرْبة حظّ”.
“ليلة القَدر” ما كانت لتكون “خيرا من ألف شهر” لو لم تكن ليلة اِلتقاء الإنسان بعالم “الكمال” في لحظة صفاء تتخطّف فيها الرّوح مشاهد من “الغيب” و”الحقيقة” و”الجمال”.
وهي ليلة لاِستنزال معانٍ قرآنية كلّ بحسب جاذبيّته الرّوحية، فقوله تعالى “أنزلناه في ليلة القدر” لا تعني الوحي الّذي اِستمرّ 22 عاما و22 شهرا و22 يوما إنّما المقصود إنزال الأسرار القرآنية كقوله “وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجّاجا” فهو أشبه ما يكون بإنزال الماء حين تتوفّر شروط نزوله من سُحب مثقلة ومن رياح وجاذبية، كلّ “إنزال” يحتاج “مَنزلا” أو “وعاء” أو “مجالا”، هذه “المنازل” هي الأرواح المنجذبة شوقا وصفاء إلى عوالم الحقيقة والمعنى والجمال. وتلك هي “أسرار” القرآن الّتي لا “يَمسّها” إلاّ من ترقّى مراقيَ من مراقي الغيب عاليةً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*