شريط الأخبار
الرئيسية | إسلاميّات | لماذا لا نشعر بجمال القرآن؟

لماذا لا نشعر بجمال القرآن؟

image_pdfimage_print

القران

(1)

الباحث والمؤرخ المصري محمد إلهامي

الباحث والمؤرخ المصري محمد إلهامي

كان شيخ العربية في زماننا أبو فهر محمود شاكر يصرّ على أنّ الإعجاز الأساسي للقرآن هو في بلاغته، فبها تحدّى العرب فأعجزهم وحيَّرهم وتركهم بلا حيلة أمام بيانه، هذا وهم أهل البلاغة والفصاحة.. وقد أطال في شرح هذه الفكرة في مقدّمته لكتاب “الظّاهرة القرآنية” لمالك بن نبي، ولكنّه كان يشرح فكرته كما يشرحها المبهور العاجز عن بيان أسباب اِنبهاره، لا شكّ مرّت عليك هذه اللّحظات، الفكرة تملأ روحك وتتدفّق في صدرك ولكنّ لسانك لا يستطيع تصويرها لمن تخاطبهم.

وقد وصل أبو فهر في طريقته هذه إلى أنّنا لن نشعر بجمال القرآن إلاّ إذا درسنا الشّعر الجاهلي وفهمناه وهضمناه، فعندئذ سنشعر بجلال القرآن وسموّ عبارته، ثمّ وصل إلى فكرة لا أعرف أحدا طرحها من قبله، وهي أن نعلّم الطّفل أشعار الجاهليّين أوّلا قبل القرآن، حتّى إذا تعلّم القرآن ذاق حلاوته!

نحن لا نناقش الآن مدى صواب أو خطأ هذه الفكرة.. إنّما نشير إليها فحسب..

إنّنا نفقد الشّعور بالقرآن لأنّنا فقدنا الشّعور باللّغة.. تماما مثلما لا نشعر بلذّة الشّعر المترجم عن الإنجليزية والفرنسية والهندية وغيرها.. يبدو لنا الشّعر المترجم ككلام متكلّف ومعاني عسيرة!

(2)

ربّما مرَّت عليّ أيّام أكثرت فيها من قراءة الشّعر والأدب حتّى ليشعر المرء أحيانا أنّ موسيقى الشّعر حاضرة في ذهنه عميقة في روحه.. تلك هي الأيّام الّتي أشعر فيها إذا قرأت القرآن بأنّ له طعما مختلفا.. وهو أمر لا يمكن وصفه، إذ كيف يوصف طعم لمن لم يذقه، وكيف توصف لذّة لمن لا يعرفها؟!

وكنت إذا اِرتقيت المنبر فخطبت في النّاس فتلوت آية، وجدت لها طعما عجيبا، كمن يبحث عن شيء فيلقاه فجأة بين يديه، كمن يتعطّش لوصف معنى يتحيّر فيه فإذا بالآية ترويه وتغذّيه وتشبعه وتمتّعه..

وذات ليلة كنت أقرأ في سورة النّجم، فنسيت نفسي، فأخذت آياتها الأخيرة ذات الإيقاع القصير السّريع تهبط بي وتصعد، حتّى جاء قول الله (فاسجدوا لله واعبدوا) فوجدتني أسجد بلا تفكير.. في سجودي هذا تذكّرت أنّ النّبيّ لمّا قرأ هذه الآيات على ملأ من قريش سجدوا من فورهم، فأشيع لهذا أنّهم أسلموا.. حينها فقط فهمت سجودهم وتأثّرهم!
(أرجو أن تفتح المصحف، وتجرّب)

وحينئذ فهمت خطّتهم الّتي شعارها “لا تسمعوا لهذا القرآن والغوْا فيه لعلّكم تغلبون”، وكيف أنّ عبد الله بن مسعود حين كان يُسْمِعهم القرآنَ كان يُعرّضهم لحالة عنيفة من الأزمة، تماما كما تخلّص قوم ثمود من النّاقة المعجزة.. لم يتحمّلوا أن يروا المعجزة الّتي تثبت لهم صدق النّبي وخطأهم فذبحوها!!

في مثل هذه المواقف أتفهّم أكثر نظريّة أبي فهر.. وفي هذه المواقف أتحسّر على ضياع ذائقة اللّغة أكثر.. وعندها يقع قلبي كلّما تذكّرت أجيالنا الّتي تدرس في المدارس الأجنبية فتكاد الصّلة أن تنقطع بينها وبين القرآن الكريم..

(3)

وضعت كتب كثيرة في بلاغة القرآن، لكنّ غالبيّتها لم تعد تناسب القارئ المعاصر، إمّا لأنّها كُتِبَت في الأصل لعلماء البلاغة وأهل اللّغة، وإمّا لأنّها كُتِبَت في الزّمن الماضي فلم تعد لغتها ولا أساليبها في التّصوير تناسب حال العصر الآن..

ولذا لا أجد من بين هذه الكتب أنسب لأهل عصرنا الآن من كتب الشّهيد سيّد قطب، مثل “التّصوير الفنّي في القرآن” وهو فتح في بابه، لم يكتب مثله قبله على كثرة ما كُتِب في الموضوع، وتلك هي نظريّته الّتي بنى عليها تفسيره “في ظلال القرآن” في طبعته الأولى، قبل أن يزيدها قيمة وجمالا وحياة وقوّة بما أضاف إليها بعد رسوخه في الفكر الإسلامي من أفكار. ثمّ إنّه اِستلَّ من هذه النّظرية كتابه الآخر “مشاهد القيامة في القرآن الكريم”!

لذلك لم يكن إقبال المسلمين على كتاب “الظلّال” من فراغ، كيف وهو الكتاب الّذي كُتِبت كثير من فصوله في السّجن، ثمّ تعقَّب النّظام صاحبه حتى قتله، ثمّ تعقَّب الكتاب حتّى ينهيه، حتّى لقد حدّثني أحد مشايخ الإخوان الكبار قديما أنّهم لمّا خشوا على “الظّلال” من الضّياع كلَّفوا بعضهم بحفظه، وقد كان في بلدتي بالصّعيد من كان يحفظه، فكان إذا سرد شيئا منه في الخطبة اِهتزّ النّاس من فرط التأثّر بكلامه!

جرّب أن تقرأ “في ظلال القرآن” لتشعر بالفارق في اِستشعار لذّته ونعيمه!

(4)

هل يمكن أن تصف جدارا آيلا للسّقوط كهذا الوصف “جدارا يريد أن ينقضَّ”؟!
هل تجد وصفا لمن يعود باكيا خيرا من “تولّوا وأعينهم تفيض من الدّمع حزنا”؟!
هل تجد وصفا لقوم اِنسحبوا من المجموع ليتشاوروا معا أقصر من “خَلَصوا نَجِيَّا”؟!
هل تجد تعبيرا عن طلوع الصّبح أجمل وأرقّ وألطف من “والصّبح إذا تنَفَّس”؟! أو تعبيرا عن تسلّل اللّيل أحلى وأدقّ من “واللّيل إذا عسعس”؟!

جرِّب أن تصف عاقبة قوم لم يتعلّموا من أخبار التّاريخ بأحسن من “ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مُزْدَجَر، حكمةٌ بالغة فما تُغْنِ النُّذُر”..
جرّب أن تنطق عن ناصح لم يستجب له قومه بأحكم من “يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربّي ونصحت لكم، ولكن لا تحبّون النّاصحين”؟!
جرّب أن تعبّر عن العلم والقدرة والهيمنة بأفضل من “وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو، ويعلم ما في البرّ والبحر، وما تسقط من ورقة إلاّ يعلمها، ولا حبّة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس، إلاّ في كتاب مبين”..
جرّب أن تصف صورة الرّجل الأشيب بأكثر من “واِشتعل الرّأس شيبا”.. كأنّك ترى صورة اِشتعال اِلتهب في الرّأس ثمّ تركها بيضاء!

(5)

ليس القرآن مجموعة أفكار.. القرآن فوق كونه حقّا يُنشىء حالة نفسيّة في قارئه، وإدمان تلاوة القرآن تصنع ذائقة فكرية وشعورية يميّز الإنسان بها بين الحقّ والباطل حتّى وإن لم يتمكّن من التّعبير عنها..

القرآن ينزعك من همومك اليومية وتفاصيلك الصّغيرة ليضعك في صورة الحقائق الكبرى، صورة الكون والنّاس والخلق، معركة الحقّ والباطل المستمرّة منذ آدم والممتدّة في نهر الزّمان مع كلّ نبيّ والّتي لا تزال فصولها تتجدّد وتتكرّر.. فتجد أنّك صرت أوسع صدرا وأهدأ نفسا وأرحب فكرا وأطول صبرا!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: