أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / للعلاج من متلازمة التّرك

للعلاج من متلازمة التّرك

Spread the love
الدّولة العثمانيّة في أوج قوّتها
الأستاذ سامي براهم

نقد سياسات تركيا وأجنداتها في المنطقة وتقييمها واِتّخاذ موقف أو موقع منها بحسب المصالح الوطنيّة والقوميّة أمر مطلوب سواء من الدّبلوماسيّة الرّسميّة أو المنظّمات الوطنيّة والنّخب الفكريّة والسّياسيّة، لكنّ تغليف ذلك بإسقاط معطيات التّاريخ على الحاضر ليس إلّا توظيفا إسقاطيّا ينتهك أبسط الشّروط المنهجيّة لعلم التّاريخ.

وصف التّرك بالغزاة والخلافة العثمانيّة بالاِحتلال خاصّة من ذوي المرجعيّة القوميّة العربيّة يقتضي وصف العرب الفاتحين بالغزاة والدّول الّتي أقاموها خارج صحراء الجزيرة العربيّة “العراق، الشّام، مص، شمال إفريقيا…” بدول اِحتلال وهو وصف قائم لدى من يريدون إحياء النّعرات القوميّة والعرقيّة بدعوى أنّهم السكّان الأصليّون لتلك المناطق مقابل العرب الوافدين.

لقد تعاقبت على مناطقنا دول وغزوات وهجرات واِختلاط عرقي وثقافي ولغوي وأنشئت مدن وحواضر وحضارات خلّفت وراءها معالم لا تزال شاهدة على وجودها، سادت وحكمت بمنطق عصرها ومعارفه ومعاييره ولا يمكن بأيّ حال محاكمتها بمنطق عصرنا الّذي شهد نقلة إبستمولوجيّة نوعيّة.

وهذا ليس خاصّا بالمنطقة العربيّة فكلّ الكيانات السّياسيّة في العالم كانت حدودها تتقلّص وتتمدّد قبل ترسيم الحدود الّذي شهدته أروبا بعد صلح واستفاليا عقب حروب أهليّة طويلة خاضتها إبّان الحكم الإمبراطري القائم على تحالف الملكيّة والكنيسة، ودخلت أروبا لأوّل مرّة عصر الدّول الوطنيّة états nations ذات الحدود المرسّمة الّتي تربط بينها مواثيق ومعاهدات،

آلت الخلافة الإسلاميّة للعثمانيّين الّذين بسطوا نفوذهم وفرضوا الولاء باِسم الخلافة على المناطق الّتي كانت تحت نفوذ الخلافة الإسلاميّة من قبل، وكانت الخلافة العثمانيّة ذات طابع توسّعي ككلّ الكيانات السّياسيّة الاِمبراطوريّة سواء القائمة قبلها أو المعاصرة لها، وصلت أوجها بغزو درّة الحضارة الغربيّة “القسطنطينيّة الّتي أصبحت إسطنبول”، فبنت حضارة ومجدا للمسلمين قبل أن تتحوّل إلى رجل مريض يقع تصفية تركته وتقسيم ولاياتها وإلحاقها بنفوذ الدّول الاِستعماريّة ضمن اِتّفاقية سايكس بيكو بعد أن وعدتها بالاِستقلال الوطني.

نقد تاريخ هذه الخلافة وسياستها في الإيالات الّتي كانت تابعة لها موكول لأهل الاِختصاص والمحقّقين النّزهاء الّذين لم تلوثّهم العصبيّات الأيديولوجية…

لكنّ اِعتبار التّاريخ المشترك معها شبيها بالعلاقة مع الدّول الاِستعماريّة الّتي اَحتلّت مناطقنا إبّان الحركة الاِستعماريّة الحديثة وألحقتها قهرا وقسرا وأخضعتها لمصالحها هو ضرب من تزييف الهويّة التّاريخيّة والحضاريّة والاِنسلاخ عن الذّات لدواع سياسويّة أيديولوجية ظرفيّة آنيّة.

لا فرق بين الأمويّين والعبّاسيين والبوهيين والسّلاجقة والفاطميين والعثمانيين وكلّ الأعراق والأجناس والثّقافات والحضارات الّتي تعاقبت على مناطقنا وشعوبنا واِندمجت في هويّتنا وأصبحت جزءًا عضويّا منّا وأصبحنا جزءًا عضويّا منها حتّى أصبحت محاولة طمسها ضربا من العبث و تكريسا للوعي الاِنشطاري والاِستلاب الحضاري.