أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / قراءة في محتوى حملة “تونس_بعد_الثّورة_خير”

قراءة في محتوى حملة “تونس_بعد_الثّورة_خير”

Spread the love

د. زبير مولهي

تردّدت في نشر هذا النصّ في هذا الظّرف المتّسم بالتحرّكات الهامّة الشّرعية والضّرورية والّتي يجب تأطيرها كي لا تحيد عن مسارها وتُفضي إلى المجهول، لكنّ الوضوح واجب وضروريّ أيضا والنّقد البنّاء من الأولويّات حتّى في أحلك الظّروف وأشدّ مراحل المسيرة الثّورية.

ملاحظات عامّة ضرورية:

1- إنّ التّاريخ يتقدّم ولا يتراجع ويأبه العودة إلى الخلف، مساره واضح ونسقه بيّن واِتّجاهه من حتميّات الكون… فمن أراد أن يواكب عجلة التّاريخ في مساره فلا ينظرنّ إلى الوراء أبدا إلاّ بقدر ما يسمح له بتعديل وجهته وتصحيح مساره وتصويب بوصلته… ومن ركّز على الماضي (أو حتّى الحاضر) أو جعله مقياسا أو محرارا لحاضره محاولا معاكسة النّسق التّاريخي فهو مخطئ تمام الخطأ ومجانب للصّواب ولن يخسر حاضره فحسب بل هو خاسر مستقبله أيضا وما يقتضيه هذا المستقبل من عمل وكدّ واِستشراف واِستبصار وتوجيه وتصحيح وتقدّم وترقٍّ. المستقبل هو الهدف والقصد وهو وجهة المسار والمسيرة. لا الماضي ولا حتّى الحاضر.

2- إنّ الثورة مسار دائم دؤوب لا ينقطع ولا ينتهي إلاّ بتحقيق كلّ الأهداف الّتي قامت عليها ومن أجلها. وقد تتجدّد الأهداف إيجابا لا سلبا وتزداد وتتدعّم وتتجذّر، لكنّها لا تنقص أبدا ولا يقع التّنازل عنها ولا حتّى عن بعضها، وإن وقع ذلك فهو خيانة للثّورة ولمسارها التّراكمي. قد يمرّ مسار الثّورة ببعض العثرات والعقبات الّتي قد تبطّئ من مسيرتها لبعض الوقت أو تجعلها تغيّر بعض الوسائل أو تأخذ بعض المنعرجات الخفيفة لتفادي العقبات، لكنّها تواصل مسيرتها وتقدّمها ولا تتوقّف ولا تنتهي ولا تموت.

3- إنّ نقد المسار، أيّ مسار، وخاصّة المسار الثّوري لا يكون بتزيين الأمور وتبريق الصّورة ولا بالتّغاضي عن الأخطاء والتّقليل من المخاطر المحدقة بالثّورة ولا بالإحجام عن ذكر سقطات الثّورة واِنحراف مسارها ولا بالإمساك عن فضح مَن خانها ومَن خذلها ومَن ركبها ومَن تمعّش منها. إنّ النّقد البنّاء لمسار الثّورة يجب أن يقف على السّلبيّات أكثر من توقّفه على الإيجابيّات وإلاّ لَرَكن كلّ واحد منّا إلى الواقع ولَرضي به (وإن كان مأساويّا) ولَقنع بما “تحقّق” منها دون السّعي وراء تحقيق الكمّ الكبير من الأهداف الّتي اِستشهد من أجلها شهداؤها وجُرح من جُرح من أبنائها.

قراءة في الشّعار وفي النصّ المصاحب للحملة:

“خير من شنوّة ؟”

إنّ الحملات، الإعلامية والسّياسية، حتّى على شبكات التّواصل الاِجتماعي، لا تُبنى على ردّات الفعل على ما يقوم به أعداء الثّورة من دسّ السمّ في العسل واِستغلال الوضع المادّي والأمني المزري للبلاد كي يبثّوا بين النّاس مقولة “يا حسرة على عهد بن علي” أو “تونس قبل كانت خير” أو ما شابهها من تحسّر على نظام بائد أطرده الشّعب بثورة سلميّة. إنّ المسيرة الثّورية يجب أن تكون فاعلة فعّالة ولا رادّة للفعل تلهث وراء ردود الأفعال وتسقط في مطبّات وفخاخ توضع لها مدروسةً فتهرول ساقطة فيها دون وعي، فتحيد بذلك عن أهدافها وتضيع بوصلتها.
من الأخطاء في هذه الحملة نتيجة ردّة الفعل وليس الفعل هي أنّها، وهي تحاول الردّ على المقولات الزّائفة، اِنجرّت إلى مستنقع تمجيد الحاضر وكأنّ هذا الحاضر هو ما نصبو إليه، كأنّه قمّة مطالبنا، كأنّه غاية الثّورة، كأنّ أهداف الثّورة قد تحقّقت كلّها أو جلّها، وهو كما هو عليه من وهن وزراية وخيبة أمل!
متى كان الماضي هو البوصلة والمقياس حتّى نقارن الوضع الحالي بالوضع أيّام المخلوع؟! أليس ما نطمح ونسعى إلى تحقيقه في المستقبل من أهداف الثّورة أحقّ بأن يكون مقياسنا وبوصلتنا ومحكّ أعمالنا ومحطّ أمالنا؟! ألم يكن الأجدى أن تقوم بجرد ما لم يتحقّق من أهداف الثّورة ونضع الخطط والأساليب لتحقيقه عوض أن نوحي للنّاس بأنّنا في “خير ونعمة” وبأنّنا نعيش أفضل من قبل؟! ما قيمة الماضي إن لم يحفّزنا على تحسين الحاضر وعلى العمل على تأمين المستقبل؟! لا يهمّ أنّ حالنا الآن أفضل منها في الماضي (حتّى إن صدق هذا الزّعم) بقدر ما يهمّنا أنّ مستقبلنا يجب أن يكون أفضل من الماضي ومن الحاضر.
إنّ مقارنة حالنا بالماضي في الشّعار وخاصّة في النصّ المصاحب له هي، شئنا أم أبينا، دعوة إلى الرّكون والخنوع والقبول بالموجود وهي تكريس لمقولة “ليس بالإمكان أحسن ممّا كان”. لو كان الشّعار مثلا “#تونس_غدوة_تكون_خير” لكان معبّرا أكثر ومتّجها نحو المستقبل وباعثا للأمل ومحفّزا على العمل والتّفاؤل.

الثّورة مستمرّة لم تنتهِ:

من الأخطاء أيضا في هذه الحملة وفي شعارها تحديدا أنّها تستعمل مفردات “بعد_الثّورة” (ربّما المقصود لدى من وضعوا هذا الشّعار هو التّأريخ الرّسمي للثّورة يعني 14 جانفي). حتّى وإن كان المقصود هو التّأريخ الزّمني، إلاّ أنّ هذا يعتبر خطأ جسيما باِعتبار أنّه يوحي للنّاس أنّ الثّورة اِنتهت وحقّقت أهدافها وأنّنا نعيش مرحلة “ما بعد الثّورة” وأنّ هذا الـ”مابعد” هو مزهر وفيه الخير الكثير ونقارنه بما قبل الثّورة فلا نستطيع إلاّ أن نحمد الله على نعمه وأن ننطوي على أنفسنا وأن نتأمّل في السّماء الزّرقاء وأن نطرب لزقزقة العصافير، عصافير ما بعد الثّورة!
إنّ ممّا يوحي به هذا الشّعار هو أنّ الثّورة اِنتهت وأنّ ما عشناه من 17 ديسمبر إلى نهاية التّرويكا (رغم أخطائها وما تتحمّله من مسؤولية في ما نحن فيه الآن) إنّما هي فترة مؤقّتة عابرة وخطأ طارئ في تاريخ تونس وأنّ علينا طيّ هذه الصّفحة إلى الأبد وأن نضعها بين قوسين ونمرّ (والتّعبير هنا للدّكتور المرزوقي)…
وفي حقيقة الأمر هذا يصبّ في مصلحة من هم في الحكم الآن وخاصّة الحزبان الكبيران باِعتبارهما من قادا مرحلة ما بعد التّرويكا إلى اليوم. ذلك أنّ حكمنا على الوضع الحالي بالإيجاب أم بالسّلب، بالرّضى أم بالسّخط، سيعود عليهما منفعةً واِستحسانا في الحالة الأولى، ورفضا واِستنكارا لهما في الحالة الثّانية… فها هي الحملة تأتي بشعارها “بعد الثّورة خير” كي توقّع صكّا على بياض لحكّامنا الحاليين وتجعلهم يصرّون على أنّ مسار التّوافق/التّنافق الّذي ذهبوا فيه هو أسلم طريقا وأعظم أجرا!!!… ألم تلاحظوا أنّ عددا كبيرا من أبناء أحد الحزبين الحاكمين المتوافقين المتزاوجين (الّذي قد يطلّق أحدهما الآخر قريبا) قد اِنخرطوا في الحملة وغيّروا صور حساباتهم على الفايسبوك واضعين شعار الحملة، في حين أنّهم عزفوا عن كلّ الحملات السّابقة الّتي تؤكّد على دور الثّورة والّتي تنادي بتحقيق أهدافها؟! هل هذا من باب الصّدفة يا ترى؟! أنا لا أقول بالصّدفة في مثل هذه المسارات. ثمّ أنا لا أعرف تحديدا من بدأ بهذه الحملة ومن كان وراءها من الأوّل لكنّي لن أتفاجأ إذا ما وجدنا أنّ فيها من هم من أبناء ذاك الحزب أو من المحسوبين عليه!

هل هو خطأ في التّرجمة؟

بتتبّعي للحملة ولتفرّعاتها وجدت أنّ الصّورة الّتي اُستخدمت كخلفية لحسابات الفايسبوك مكتوب عليها اِسم موقع جديد على الأنترنات غير مكتمل إلى حدّ الآن وهو بالإنكليزية (wish4better.org) وهذا يدفعني إلى ملاحظتين اِثنتين:

1) لماذا اِستعمال اللّغة الإنكليزية؟ لماذا لم يقع اِستعمال الفرنسية الّتي هي اللّغة الثّانية في تونس بعد العربية، أو الإسبانية أو غيرها؟ فكلّها لغات تُكتب بالأحرف اللاّتينية ويمكن اِستعمالها لشراء “اِسم المجال” (Nom de domaine) الخاصّ بالموقع. هل إنّ من تكفّل بشراء اِسم المجال هو إنكليزي الثّقافة مثلا أم إنّ الأمر غير ذلك؟ مجرّد اِستفسار ينتظر جوابا واضحا لا غير.

2) من الملاحظ أنّ اِسم الحملة بالإنكليزية (wish4better) في ما يخصّ الموقع، واِسمها الرّسمي بالإنكليزية (wishforbetter) في ما يخصّ المجموعة على الفايسبوك يختلف اِختلافا كبيرا إن لم أقل جذريّا عن اِسمها “المعرّب” باللّهجة التّونسية (بعد_الثّورة_خير). الاِسم بالإنكليزية معبّر وإيجابيّ جدّا ولا أحد يختلف حوله وهو يخدم الثّورة فلماذا وقعت “ترجمته” بهذه الطّريقة العقيمة والّتي تحمل كلّ الأخطاء والسّلبيّات الّتي ذكرتها؟ وهل هي ترجمة أصلا؟ لا أظنّ أنّ الاِسم مترجم من الإنكليزية لأنّ النصّ المصاحب للحملة باللّهجة التّونسية يؤكّد على محتوى الشّعار التّونسي إذ نجد في النصّ مقارنة واضحة، لا بين الحاضر والمستقبل، بل بين الحاضر والماضي!
لعلم من لا يتقن الإنكليزية فإنّ اِسم الحملة يمكن ترجمته إلى العربية كالتّالي:
نأمل خيرا- نتمنّى الأفضل- كن آملا في الأفضل- لا تفقد الأمل في الخير- اِجعل الأمل نصب عينيك- القادم أفضل… إلى آخره من التّعابير الجميلة والمؤدّية لمعنى سامٍ متوافق مع روح الثّورة.
وإن أردتم اِستعمال الدّارجة التّونسية فلِمَ لم يقع ترجمة الشّعار الإنكليزي بالمقترحات التّالية:
غدوة يتحسّن حالنا- بالثّورة يتحسّن حالنا- غدوة تونس تكون خير- الأمل يجيب- اليد في اليد نحسنّو مستقبلنا- المستقبل بيدينا…
مهما كانت الصّيغ المستعملة في ترجمة الاِسم بالإنكليزية (ولماذا المرور بلغة أخرى أصلا؟!) فإن لم يقترن باِسم الثّورة يكون بعيدا عن تأدية مهمّته والّتي عبّر عنها بعض من تحدّثوا مدافعين عن الحملة.
لذلك اِستعملت كعنوان لمقالي هذا، الشّعار التّالي : #الثورة_مستمرّة_وغدوة_تونس_خير.