أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / قدر العرب السّياسي

قدر العرب السّياسي

Spread the love

الأستاذ الهذيلي منصر

هل يمكن أن تشكّل الدّمقرطة أفقا للسّياسة في البلدان العربية وهل بالإمكان رؤية المجتمعات العربية ترقى هذا الرقيّ وتجتاز هذه العقبة الّتي تحوّلت عسيرة؟ الجواب هنا لا يتعلّق بالمرغوب فيه المرجوّ ولا بالقناعات والأفكار. كلّ هذا يدفعني إلى القول أنّ هذا من الممكن وممّا يجب أن يكون. الجواب هنا مرتبط بتجارب العقود الماضية والسّنوات الأخيرة على وجه الخصوص.

من الممكن أن تكون دمقرطة أي يمكن أن يقبل النّفوذ الدّولي بدمقرطة عندنا بشرط أن لا تمسّ الدّمقرطة المحرّمات. طبعا يمكن الأخذ بعين الاِعتبار أنّنا نفرض دمقرطة مجتمعاتنا رغما عن قرارات النّفوذ الدّولي. ولكنّ هذه الفرضية ضعيفة جدّا وزدناها ضعفا خلال الفترة الأخيرة وأقصد دينامية الرّبيع العربي. أوّل ما أتت به وبادرت إليه القوى المستفيدة من الرّبيع أنّها تواصلت مع عواصم النّفوذ لتنسّق في أمر الدّمقرطة وتتلقّى ما بين نصائح وتعليمات. هذا واقع يجب أن لا ننكره وقد تكون هكذا مبادرات مفيدة إذا ثبت أنّها مفيدة. الواقع يثبت أنّها ليست كذلك بالمرّة فهذا التّنسيق تحوّل تدخّلا ولجما وصولا إلى الاِنقلاب.

لماذا؟ لأنّ هناك المحرّمات وضمان أن تبقى المحرّمات كذلك أولي لا دمقرطة السّياسات العربية. لا أقول بجينات عربية مضادّة للدّيمقراطية ولا أقول بتخلّف ذهني ولا باِنحدار عقلي يمنع العرب من التّجاوز والعبور إلى بيئة سياسية جديدة مختلفة. الواقع أنّ هناك فيتو قديم متجدّد محيّن على الدّوام منذ رحيل الاِستعمار الّذي لم يرحل يوما بل تتطوّر إلى شكل فيه من البراغماتية والمكر والدّهاء ما يضمن المصالح من دون حاجة إلى دفع أثمان. كانت الأزمة زمن الاِستعمار بين محلّيين ووافدين غزاة فتحوّلت بكلّيتها بين المحلّيين. أمّا خراج أزمات المحلّيين الّتي لا تنتهي فكلّه للخارج الممسك والمحيط من بعيد. نحن الآن نطرح سؤالا: هل نتحوّل من اِستبداد إلى ديمقراطية أمّا سؤال الخارج فهو التّالي: هل إذا خرج العرب من اِستبداد إلى ديمقراطية يضمنون المصالح ويقفون عند المحرّمات؟

عندنا يسألون مثل هذا السّؤال لا يقنعون بتكتيك ولا تمتمة شفاه. لا هم يتكفّلون بالإجابة بعد تفكيك المشهد ورصد المواقف والسّلوكات وتحصيل كلّ الضمانات. المحرّمات؟ معلومة ملقّنة محفوظة وفي كلّ اِجتماع لسياسيين عرب عند سفارات وعواصم النّفوذ يكون تذكير مستميت بها: المصالح، القيم الكونية وإسرائيل. تسييج حركة المال وخطاب الثّقافة والاِصطفاف الدّيبلوماسي. لذلك يجهد السّياسيون التّونسيون أنفسهم للإصغاء إلى الصّناديق العابرة ومستشاري المال والاِقتصاد وللاِبتعاد عن قضايا التّطبيع وتجريمه وفسح المجال لجدل المثليّة والإرث وغير ذلك من مسائل حسّاسة وخطيرة. السّياسيون يدركون أنّ الوعد الدّيمقراطي مقايضة ملغومة. الأسئلة الملحّة لديمقراطية عربية وتونسية أصيلة ومستقلّة غير الأسئلة الّتي تفرضها العواصم والسّفارات لذلك لا ينخرط النّاس ولا يتحمّسون. هل يتحرّك النّاس لفرض بعض التّوازن وتعديل الكفّة؟ أتمنّى ذلك وأسأل عن النّاس لأنّ السّياسيين في العجز التامّ.

مع أنّ قناعاتي ديمقراطية فإنّني أرى المشهد بالغ التّعقيد. ولا أراه كذلك من فرط تبرّم ويأس سوداوي. لا. هو كذلك واقعا ملموسا وحاضرا متجلّيا. قد ينكره المتحزّبون جهارا ولكنّهم يتساررون به ويلاحظون التّعقيد أكثر ممّا ألاحظ أنا. أعرف أنّ المحطّات الاِنتخابية تبعث الكثير من الأمل ولكنّني إذا دقّقت في المشهد العربي أخلص أنّ العرب المبتلون بتركة الاِستعمار وتمكّن إسرائيل أصحاب قدر سياسي لا مفرّ لهم منه. يدركون هذا اليوم أو بعد حين لا يعنيني كثيرا. السّياسة عربيا لا تعني غير مقارعة اِستعمار ومقاومة صهيونية. وهم يدركون هذا أكثر عندما يمضون نحو الدّيمقراطية وأقصد الدّيمقراطية لا وهمها ولا سرابها. مع أطيب التمنّيات بالتّوفيق لمرشّحي الاِنتخابات البلدية.