أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / في مثل هذا اليوم منذ أربع سنوات (25 جانفي 2014 ): القضاء التونسي: هل هي بداية القطع مع الماضي؟

في مثل هذا اليوم منذ أربع سنوات (25 جانفي 2014 ): القضاء التونسي: هل هي بداية القطع مع الماضي؟

Spread the love

 

الأستاذ أحمد الرحموني

من الواضح أنّ دستور الثّورة- على الأقلّ في باب السّلطة القضائية- لم يستحدث نظاما قضائيا ثوريّا ولم يتخلّ عن ملامح النّظام القضائي الموروث، خصوصا في تقسيماته ومفاهيمه المرتبطة بالإرث اللاّتيني والفرنسي كالتّمييز بين القضاء الجالس والنّيابة العمومية والإبقاء على الأصناف الثلّاثة للقضاء، وهي القضاء العدلي والإداري والمالي إضافة إلى القضاء العسكري. إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ النصّ الدّستوري الجديد قد مثّل اِستعادة للنّظام القضائي السّابق واِمتدادا للتصوّر المختلّ الّذي طبع دستور 1 جوان 1959 خصوصا فيما يتعلّق بالضّمانات القضائية ودور المجلس الأعلى للقضاء في تحقيقها.
ورغم أنّ الأحكام الدّستورية قد تضمّنت في أغلبها صياغة جديدة لحلول سابقة أو مقتضيات واردة بقوانين خاصّة واِتّجهت في بعض الصّور إلى تفصيلات جزئية إلاّ أنّ ذلك لم يحجب قواعد البناء الأساسية الّتي يستند إليها التصوّر الجديد الرّامي إلى إرساء سلطة قضائية مستقلّة.
وبقطع النّظر عمّا تمثّله الضّمانة الدّستورية من قيمة عمليّة في بيئة سياسية لم تتمثّل إلى الآن قيم اِستقلال القضاء فمن الممكن أن نلاحظ أنّ دستور الثّورة قد أقرّ مقتضيات بارزة هي بمثابة “الاِختراقات” للوضع القضائي الحالي وقد تعلّقت- في تفاوت بينها- بالمبادئ الجوهرية والهياكل والآليّات.
فمن جهة المبادئ نشير إلى تأكيد الدّستور في أكثر من موضع على دور القضاء في حماية الحقوق والحرّيات (مثلا الفصلان 48 و100).
وإضافة لذلك أقرّ الدّستور لأوّل مرّة في تاريخ القضاء التّونسي المبدأ الجوهري لاِستقلال السّلطة القضائية، وهو مبدأ عدم قابلية القضاة للعزل، إضافة إلى القواعد المترتّبة عنه كعدم قابلية القاضي للنّقلة إلاّ برضاه واِمتناع إيقافه أو إعفائه (الفصل104) أي بمعنى المساس بوضعه الوظيفي، وهو ما يعتبر- عمليّا ورمزيّا- الحماية الأساسية للقاضي ضدّ اِحتمالات التدخّل والتعسّف الصّادرة أساسا عن السّلطة التّنفيذية.
أمّا من جهة الهياكل فلعلّ أبرز المؤسّسات الجديدة- إن لم تكن الوحيدة- هي المحكمة الدّستورية الّتي اِعتبرها الدّستور هيئة قضائية مستقلّة ذات اِختصاصات واسعة رغم أنّ القضاة المعيّنين من المجلس الأعلى للقضاء لا يمثّلون في تركيبتها إلاّ الثّلث (الفصلان 115 و117).
كما أنّ تسميّة المجلس الأعلى للقضاء وإن كانت اِستعارة للتّسمية القديمة إلاّ أنّ توحيد تمثيليّة المجلس للأصناف القضائية الكبرى وهي القضاء العدلي والإداري والمالي- باِستثناء القضاء العسكري- (الفصل 109) يعتبر إجراء غير مسبوق وبداية لإقرار مبدأ توحيد القضاء.
أمّا من جهة الآليات فإنّ التوجّه نحو اِستقلالية النّيابة العمومية عن السّلطة التّنفيذية دون إعلان ذلك بصريح اللّفظ والاِعتراف لأعضائها بالضّمانات المكفولة للقضاء العدلي (الفصل112) يفتح الباب لتغييرات منتظرة وعميقة في وظائف النّيابة العمومية والإدارة القضائية للمحاكم باِعتبار أنّ اِستقلال النّيابة العمومية- إداريا ووظيفيّا عن وزارة العدل- من شأنه أن يؤثّر على طبيعة العلاقات بين السّلطتين القضائية والتّنفيذية.
وفي سياق الآليات الجديدة الّتي لا تقلّ تأثيرا عن اِستقلال النّيابة يشار إلى مشاركة المستقلّين من غير القضاة لأوّل مرّة في تركيبة مختلف المجالس القضائية المكوّنة للمجلس الأعلى للقضاء (الفصل 109) ويمثّل ذلك تحوّلا بارزا في دور تلك المجالس وتطوّرا ملحوظا لآليات الرّقابة على الشّأن القضائي.
ومن الآليّات الملفتة للنّظر إعطاء المجلس الأعلى للقضاء صلاحيّة إعداد الميزانية الرّاجعة له ومناقشتها أمام مجلس نوّاب الشّعب وذلك تجسيما لتمتيع المجلس بالاِستقلال الإداري والمالي والتّسيير الذّاتي (الفصل 110) وهي العناصر الأساسية للإدارة الذّاتية لشؤون السّلطة القضائية.
واِعتبارا لذلك فمن الجائز أن يحدونا الأمل إلى بناء منظومة قضائية مستقلّة اِعتمادا على تلك المبادئ والهياكل والآليات بهدف القطع مع الماضي في تصوّراته وممارساته وولادة قانون جديد يعكس توجّهات الثّورة على أنقاض نظام قضائي قديم لا زال مرتبطا بمخلّفات الاِستبداد.