أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / في ذكرى اِستشهاد عمّي المرحوم أحمد الرّحموني

في ذكرى اِستشهاد عمّي المرحوم أحمد الرّحموني

Spread the love

 

الأستاذ أحمد الرحموني

لم أقدّر حقيقة مبلغ تأثير الشّيخ الشّهيد أحمد الرّحموني في تاريخ البلاد ومسقط رأسه تالة والرّبوع القريبة منها إلاّ بعد أن رأيت رأي العين- يوم 3 مارس 2013- الجموع الكبيرة من مختلف الأعمار والنّاس البسطاء والفقراء المعدمين وعددا من السّياسيين من مختلف التوجّهات والقوى الحيّة من مناطق متعدّدة تنتقل من أجله إلى مدينة تالة لتشهد بعد نصف قرن دفنا رمزيّا لرفاته في مسقط رأسه الّذي عشق أهله وترابه وأن يتقدّم شباب تالة ليحملوا تابوته ويرفعوا صوره ويستعيدوا ذكراه ويختاروا له قبرا يؤويه قريبا من مدافن شهداء الثّورة.
كما لم أتوقّع- ولا أحد من العائلة- أن نشهد آية من آيات الله تعالى وأن يعود الشّيخ لمنزله بباردو يوم 2 مارس 2013 وأن تسجّى عظامه بعد نصف قرن في نفس البيت الّذي حمل منه في ديسمبر 1962 ليعذّب ويحاكم ظلما ويعدم بالرّصاص ويدفن في غياب أهله في قبر جماعي مع تسعة من رفاقه بمنطقة مجهولة.
كما لم يكن أحد يتوقّع أن تهتدي “المحكمة العسكرية” في الفترة الأولى الّتي أعقبت الثّورة إلى البحث عن الشّهداء العشرة (الأزهر الشّرايطي وعبد العزيز العكرمي وأحمد الرّحموني والهادي القفصي وعمر البنبلي والصّادق بن سعيد وكبير المحرزي وصالح الحشّاني ومحمّد الحبيب حنيني ومحمّد الحبيب بركية) وأن تعثر الجهات العسكرية اِعتمادا على بعض الشّهادات على القبر الجماعي بمنطقة بئر بورقبة وأن يتمّ تحليل العظام للتعرّف على هويّة الأفراد المدفونين اِعتمادا على عيّنات من البصمات الوراثية لأقاربهم وأن يتمّ التعرّف- ويا للقدر العجيب- على خمسة فقط من بين الشّهداء وأن يكون من بينهم الشّيخ أحمد الرّحموني (إضافة إلى عبد العزيز العكرمي والهادي القفصي وكبير المحرزي وصالح الحشّاني).
كما لم يكن أحد يتوقّع أن يجد الشّيخ الشّهيد قبرا بين أهله وأن يغادر مع أربعة من رفاقه أوّل مقبرة جماعية يتمّ اِكتشافها بعد الثّورة لتكون شاهدة عن جرائم النّظام البورقيبي وفظاعة ممارساته.
لم يغفروا للشّيخ دعمه للمقاومة المسلّحة قبل الاِستقلال وتمسّكه بالاِستقلال التّام ومعارضته منذ البداية للنّهج البورقيبي ومؤازرته للمرحوم صالح بن يوسف ونشاطه في اللّجنة التّنفيذية للحزب الحرّ الدّستوري وتصدّيه لسياسات التّغريب بعد توحيد التّعليم وإغلاق جامع الزّيتونة.
كما لم يغفروا له تحمّسه لإصلاح التّعليم وبعث المدارس القرآنية وإحداث الفرع الزّيتوني بتالة وتأسيس فرع بها لجمعيّة الشبّان المسلمين وكذلك لم يغفروا له دعمه لصوت الطّالب الزّيتوني ولا مشاركته في تطوير التّعليم الزّيتوني بتونس العاصمة.
كما لم يغفروا له توجّهاته القومية ولا دفاعه عن اللّغة العربية وإعجابه بجمال عبد النّاصر ومقاومته للاِستبداد وقمع الحرّيات وبيع البلاد للمستعمر.
لم يغفروا له اِنخراطه في حركة التحرّر الوطني ضدّ الاِستبداد السّياسي والاِستلاب الثّقافي والاِستعمار الفرنسي.
لم يكفهم اِعتقاله قبل الاِستقلال بتهمة إعانة الثوّار فكان لهم أن أحالوه بعد الاِستقلال على المحكمة الشّعبية (محكمة القضاء العليا) ليسجن لمدّة ثلاث سنوات بتهمة “التفوّه بعبارات جارحة لكرامة أعضاء الحكومة” أثناء التّدريس ويوقف عن العمل دون مرتّب بهدف تجويعه والتّنكيل به.
ولذلك كان سهلا عليهم أن يتّهموه بمحاولة الاِنقلاب على النّظام البورقيبي- الّذي كان من أشدّ معارضيه- وأن يحال على المحكمة العسكرية ويحاكم ظلما في غياب أدنى الضمانات وتسرع المحكمة لتصدر حكمها القاسي في ظرف ستّة أيّام بتاريخ يوم الخميس17 جانفي 1963، وأن ينفّذ بعد أسبوع حكم الإعدام في الشّيخ الشّهيد أحمد الرّحموني- الّذي لم يتجاوز الثّالثة والأربعين من عمره- مع تسعة من رفاقه بتاريخ يوم الخميس 24 جانفي 1963… رحمهم الله