شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | في ذكاء الاِستقطاب.. وحسن تقاسم النّاخبين

في ذكاء الاِستقطاب.. وحسن تقاسم النّاخبين

image_pdfimage_print
Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

في أحيان كثيرة يتساءل بعض “عقلاء الشّأن العام” عن حكمة السّياسة التّواصلية للأطراف السّياسية الّتي تستعيد في خطابها الدّعائي والتّعبوي نفس الأساليب الماضية الّتي اِعتمدتها في المواعيد الاِنتخابية الفارطة 2011 و2014 وبلديّات 2018.

هذه السّياسة التّعبوية تعتمد بالخصوص على الاِستقطاب الثّقافي (هويّة/ حداثة) والسّياسي (مدنيّة/ إسلامية) والحزبي (نهضة/ ضدّ نهضة: نفس المصطلح تستعمله في توزيع الجبهات السّياسية مراكز دراسات وتحليل أجنبية عارفة بالشّأن التّونسي مثل كارينغي أو كرايزس قروب).

يذهب “عقلاء المحلّلين” في تساؤلاتهم إلى تقييم مدى جدوى هذه السّياسة التّواصلية في جذب النّاخبين بعد أن ثبت أنّها لا تغيّر كثيرا في مخرجات الاِستحقاق الاِنتخابي الّتي كانت بعد اِنتخابات 2011 الاِستثنائية أي في اِنتخابات العادة المستقرّة 2014 و2018 منقسمة بين قسمين أحدهما كتلة برلمانية معتبرة لحزب النّهضة وأخرى لحزب “السّيستام” مع تقاسم كسور كتل بين الصفّ الثّالث المتراوح بين يسار ووسط ويمين لا من حزب “الدّولة” ولا من حزب “الإسلام” وإن كانت كسورا وظيفيّة تميل إلى هذا أو ذاك في لحظات اِشتداد الاِستقطاب الثّنائي الاِنتخابي الّذي يؤجّل “تكتيكيّا” خيار “التّوافق” وهو تأجيل لزوم ما يلزم في الموعد الاِنتخابي بتوجيه ظاهر أو خفيّ نحو هذا التّكتيك من رعاة الاِنتقال المبرمج.

والحقيقة أنّ تساؤل “العقلاء” هذا لا يدرك أنّ هذه السّياسة التّواصلية في التّعبئة ليست إعادة غبيّة لنفس أساليب الفشل بل هي على العكس من ذلك إدراك “ذكيّ” لطبيعة المزاج الاِنتخابي واِشتغال يفهم جيّدا “المطلوب” لتحقيق أقصى الرّبح الواقعي في السّياق الاِنتخابي التّونسي الرّاهن.

تدرك الأحزاب الفاعلة بتيّاراتها المختلفة أنّ قاعدة المشاركة لن تتوسّع، فالعمل التّواصلي يجب أن يكون على الثّلاثة ملايين ونيف المتوقّع مشاركتها إذا لم تتناقص في اِنتخابات 2019. وإذا اِفترضنا أنّ من هذه الملايين الثّلاثة هناك كتلة ثابتة ستنتخب النّهضة باِستمرار بحكم الطّبيعة “التّنظيميّة” و”العقائديّة” الّتي تتقدّم بها النّهضة عن غيرها من الأحزاب الّتي تضرّرت طبيعتها التّنظيمية والعقائدية كثيرا (حزب الدّولة الّذي تشظّت ماكينته وتقاسمتها شقوق كبيرة وأحزاب الإيديولوجيا اليساريّة والعروبيّة الّتي لم يعد لطبيعتها التّنظيمية والعقائدية بريقها العادي بحكم التحوّلات الثّقافية) إذن يكون من الذّكاء التّنافس على الكتلة الاِنتخابية الضدّ نهضاوية المتبقيّة والّتي قد تناهز ما يقرب المليون ونيف من مثقّفين وبقايا قاعدة خائفة للحزب الحاكم القديم وعموم ناخبين من أعماق شعبيّة ترفض تقليديّا اِنتخاب “الإسلاميّين”.

الخطّة التّواصلية الاِستقطابية تهدف إذن إلى غايات متعدّدة: المزايدة بين أحزاب ضدّ نهضة الّتي تنافس بعضها بعضا على حصد أكثر الأصوات من خزّان النّاخب الضدّ نهصة + ضمان عدم اِستفادة النّهضة من النّاخب “الموضوعي” المتردّد الّذي يقرّر فعلا قبل أيّام من الصّندوق حسب تقديره اِنتخاب النّهضة أو ضدّها + التّنافس بين أحزاب الضدّ نهضة على الفوز بقلب “راعي الاِنتقال” في اِختياره للحزب “المدنيّ” الضّروريّ “للتّوافق” القادم مع “حزب الإسلام السّياسي” + الاِستفادة قدر الإمكان من الاِستقطاب الدّولي الفاعل في تونس وعموم العالم العربي من القوى “الرّافضة للإسلام السّياسي” والباحثة عن الحليف التّونسي.

هذه الخطّة التّواصلية التّعبوية ليست بالخطأ الّذي يتصوّره كثير من عقلاء المحلّلين. صحيح أنّ هذا الاِستقطاب يضيّع على “التّونسيّين” فرصة “الصّراع السّلمي” على البرامج الحقيقية والإشكاليات الفعلية ذات الطّبيعة الاِقتصادية والاِجتماعية إذ أنّ الاِستقطاب الحقيقي يجب أن يكون: فساد/ ضدّ فساد.. فقر/ ضدّ فقر… تنمية/ خراب… اِستقلال/ اِرتهان… لكنّ الأحزاب لا تتصرّف بالضّرورة دائما باِعتماد ما يجب أن يكون بل وفق ما يجلب أوراقا في صندوق الاِقتراع وما يحقّق دعما من مراكز النّفوذ ولا شكّ أنّ النّفوذ والصّناديق لا يتمّ حصدها بالتوجّه إلى عموم “تونسيّين” لا يشاركون في الاِنتخابات.

Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

%d مدونون معجبون بهذه: