شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | في خضمّ الأحداث.. لا صوت يعلو فوق صوت “الماتراك”

في خضمّ الأحداث.. لا صوت يعلو فوق صوت “الماتراك”

image_pdfimage_print

الامن الوطني

الأستاذ شكري بن عيسى

الأستاذ شكري بن عيسى

في خضمّ الأحداث وغلاء المعيشة واِشتعال الأسعار.. وفي خضمّ الأحداث الّتي شغلتنا حول مشروع قانون “المصالحة”.. وفي خضمّ أحداث ترشّح حافظ لاِنتخابات ألمانيا قبل هروبه.. وفي خضمّ أحداث اِنتفاضة تطاوين وقبلها اِنتفاضة جلمة من أجل اِسترجاع كرامة المواطن.. في خضمّ هذه الأحداث وغيرها وضعت مشروع قانون “زجر” الاِعتداءات على الأمنيين جانبا في الرّفوف.. وأهملت محتواه ظنّا منّي بأنّه وقع طرحه نهائيّا لما يحويه من عودة خطوات عريضة في اِتّجاه ظلمة الدّكتاتورية..

عدت واِطّلعت على مضمون القانون الّذي لا يحتوي سوى 20 فصلا.. تحمل بلدنا لتضعه تحت “ماتراك” البوليس بل تحت زناد سلاحه القاتل.. ويكفي الاشارة إلى فصل “التّحقير” من الأمنيين (الفصل 12) الّذي يعاقب مقترفه بسنتين (02) سجنا.. وطبعا يمكنكم تخيّل مضمون “التّحقير” فقد تكون مجرّد نظرة اِستنكار “تحقير”.. والكلّ بيد البوليس الّذي سيكون الخصم والحكم وطبعا سيفرض كلّ ما يدّعيه وهو باحث البداية وهو المتمتّع بسلطة الاِحتفاظ..

قانون لا يمكن وصفه بالزّجري فقط خاصّة لما تضمّنته فصوله من عقوبات سالبة للحرّية أغلبها تفوق الـ10 سنوات.. بل هو قانون يضعنا في عمق السّواد الحالك.. مشروع قانون تحت عنوان “زجر الاِعتداء على القوّات المسلّحة”.. يصبح شاملا ليس للأعوان فقط بل يتعدّى لعائلاتهم وسيّاراتهم وممارساتهم أثناء العمل أيضا وقبله وبعده.. ويخصّ تجهيزاتهم ومحالّ سكناهم كما يتعدّى “الزّجر” إلى التّهديد..

وبعد قرار السّبسي بعسكرة مواقع إنتاج النّفط والفسفاط.. يأتي هذا القانون ليقتل كلّ الحقوق المتعلّقة بالتّعبير والتّظاهر السّلمي.. وأيضا النّفاذ للمعطيات والإعلام الّذي قد يكيّف مجرّد توجيه نقد لعون أمن كجريمة كاملة الشّروط تلقي بصاحبها في السّجن لسنوات.. ولا يمكن للمتّهم التمتّع بحقّ تخفيض العقوبة ومجرّد تشغيل آلة التّصوير في جهاز هاتف لتصوير بوليس يعتدي على مواطن يعرّض صاحبه للعقوبة (تصل إلى سنتين سجنا – الفصل 8).. وحتّى المحاولة أي الشّروع في فتح الهاتف قد يقع تأويله سلبيّا ويجازى “المقترف” بالعقوبة..

عقوبات تعود بنا إلى أنظمة هتلر وموسيليني الفاشية.. حيث لا يعلو سوى صوت السّلاح والجزمات العسكرية والبوليسية.. والقانون في النّهاية يشكّل حصانة لإطلاق يد البوليس ووضع عصاه الغليظة على رأس المواطن.. والتّهديد اِنطلق ببيان نقابة البوليس طائلة اليد بتعطيل حماية النوّاب إن لم يمرّروا مشروع القانون.. في تمرّد واضح على الدّولة وعلى النّظام والقانون.. والتدرّج السّابق في اِستعمال السّلاح لمواجهة خطر أثناء التّظاهر أو في المقرّات الأمنية يتمّ إلغاؤه.. والأمني يعفى من كلّ مسؤولية في الصّدد (الفصل 18)..

وعلى غرار اِستعمال وسائل التّسجيل لكشف وفضح تجاوزات بوليسية الّتي وقع تجريمها بشدّة.. يتمّ تجريم في مشروع القانون كلّ كشف لوثائق ومعطيات أمنية فيها كشف لحقوق مواطنين أو خدمة للعدالة أو منع جريمة أو إيقاف اِعتداء (عقوبة بـ10 سنوات سجنا – الفصل 4 و5).. وبذلك يتمّ التستّر على كلّ الجرائم البوليسية ووضعها تحت التّعتيم الكامل ليتمّ إطلاق اليد واقعا وإعلاما..

قانون تحت عنوان زجر الاِعتداءات على الأمنيين.. يتحوّل إلى عدوان شامل على المواطن وحقوقه وعلى الإعلام.. فيصبح المواطن الضحيّة الأولى لعون الأمن المجعول أصلا لحماية حقوقه العامّة والخاصّة.. قانون لا حاجة للمنظومة القانونية له خاصّة وأنّ أغلب عناوينه حاضرة في قوانين أخرى.. ويتضّح أنّ القبضة الأمنية صارت مطلوبة اليوم في مرحلة عنوانها اِنهيارات اِجتماعية عميقة لا تمتلك الحكومة ذاتها في مواجهتها سوى المقاربة الأمنية.. الّتي تتطلّب تواطؤا عبر تحصين الأمنيين لتنفيذ القمع والتّنكيل بسهولة ودون ردع وعقاب..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: