شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | في تتفيه “النّخب”.. سياسة “العوامّ”

في تتفيه “النّخب”.. سياسة “العوامّ”

image_pdfimage_print

 

 

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

من الاِنتقادات الشّجاعة الّتي تتوجّه إلى مخطّطات “دمقرطة” البلدان المولى عليها الّتي تعدّها دول النّفوذ الغربي هو صناعة “طبقة سياسية” و”مجتمع مدني” و”مشهد إعلامي” جديد سهل التّوجيه والاِختراق عبر منحه لمن لا ثقافة ولا تجربة سياسية عندهم.

مقولات “موت الأيديولوجيا” و”نهاية الأفكار الكبرى” وتحوّل السّياسة إلى “صنعة” و”مهارة براغماتية” واِنتشار “مراكز ودورات التّكوين السّياسي” هدفها التخلّص من “طبقة سياسية” معارضة ومجرّبة وتعويضها “بالهواة الجدد” في كلّ الأحزاب.

فكرة “تمكين الشّباب” كانت كلمة حقّ أريد بها باطل. فقد اِستولى شباب مندفع بلا تجربة ولا ذاكرة ولا معرفة بالبلاد والنّاس والأفكار على المواقع المتقدّمة في قيادة الأحزاب وعلى المواقع المتقدّمة في الإعلام والتّدوين وإدارة المواقع والصّفحات وصناعة الرّأي العامّ ويتمّ عادة إبعاد الشّباب المثقّف وصاحب التّجربة السّياسية.

لا شكّ أنّ مصير البلاد اليوم بل إنّ الصّراع فيه فكريا وسياسيا يدور بين عدد من الفاعلين المحدّدين للمشهد والمتصارعين عليه دون تملّك الحدّ الأدنى من المعرفة والقيم اللاّزمة الّتي تجعل صراعهم منتجا لأفق وطني نطمئنّ على البلاد في سياقه.

لا نقصد بالمعرفة أنّنا نميل إلى “حكم التّكنوقراط” من حملة الشّهادات، فهو أبشع من “حكم التّفاهة”، بل إنّ حكم التّفاهة نفسه يتمّ عبر “أصحاب الشّهادات”، فلم يكن أسهل منذ سنوات الألفين من “إحراز إجازة أو ماستير أو دكتورا” في جامعة تونسية أصبح النّجاح فيها هو “القاعدة” في عهد فرحة الحياة النّوفمبرية.

أقصد بالمعرفة أنّ ممارسة السّياسة أو الإعلام والمساهمة في تقرير مصير البلاد سياسيا وفكريا يحتاج عارفين بالسّاحة السّياسية والصّراعات المحلّية والإقليمية وتعمّقا في الرّؤى والتصوّرات، وهذا يقتضي تجربة طويلة في العمل السّياسي لا نظنّ أنّ الفاعلين حاليا في أغلبهم يحملونها.

إنّ الدّول القومية الرّاسخة في التّاريخ والدّيمقراطيات المستقرّة قديما وحديثا كانت محصّنة بآليات اِستبعادية لا تسمح بالتدخّل في القرار إلاّ لمن اِكتسب ما يجب من تجربة “للحلّ والعقد” أمّا نحن وباِسم “الحرّية” والتّجديد فقد أصبح “الذرّي” هو من يقرّر مصائر البلاد فكرا وسياسة وصراعات. يسيطر هذا “الذرّي” على المشهد في الحكم وفي كثير من منصّات إعلام وفعل تدّعي المعارضة وهو في كلّ الحالات ليس الشّباب العميق والوطني فذاك مقصيّ لا حول ولا قوة له مادام لا يحسن مداهنة القادة والمسؤولين على مصائر البلاد.
إنّها مخطّطات “الميديوكراسي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: