شريط الأخبار
الرئيسية | لحظة أخبار | لحظة ثقافية | آداب وفنون | فصل روائي أخير “الولادة الأخرى”

فصل روائي أخير “الولادة الأخرى”

image_pdfimage_print

الخال عمّار الجماعي

القمر البازغ يهب المشهد فجر النّشأة الأولى. كنت على بضع خطوات منها لكنّها لا تراني فقد كانت منشغلة بنفسها تتشمّم الرّمل النّديّ وتضرب بالحافر.. نزل الماء فتراخت.. نخرت وزحمت للطّلق العسير.. تراخت إلى الأرض وفتحت منخريها للهواء الرّطيب القادم من الواحة.. عبّت منه ودفعت متشنّجة حملها فما اِستجاب.. حمحمت للألم وفتحت فمها فبانت أسنانها القويّة.. اِنكسر صهيل في صدرها كمن يدعو حبيبا مفارقا ودفعت أكثر.. أكانت تأمل أن يراها سعيد في موقفها هذا؟!.. أنا على يقين أنّها كانت تريده أن يربّت على عنقها فتجد عطره.. ألم تكن فرسه الرّابحة؟!.. حاولت أن تقف على قائمتيها فخذلتاها.. سقطت على جنبها الآخر واِستسلمت للحظة يائسة.. كان الموت يرخي سدوله ويتأهّب لغرس نابه.. صوت اِبن آوى وقد اِستقدمته رائحة الوضع يكسر الصّمت.. كانت عيناه تبرق خلف أجمة غير بعيدة..
كتمت أنفاسي وتركت الطّبيعة تدبّر أمرها.. عيني على فرس سعيد وقلبي منصرف لها.. ولا أدري والله ما أفعل!!
حفرت ساقاها الأرض ودفعت أكثر من ذي قبل وأطلقت صهيلها عاليا.. خرج رأس المهر الصّغير وساقاه.. اِلتفتت نحوه ورمقته بعين ذابلة.. ودفعت دفعتها الأخيرة فخرج ملتفّا في كيسه يحاول أن يمزّقه ليتنفّس.. واِستسلمت هي للوجع فأغمضت عينيها الدّاعجتين! اِقتربت عينا اِبن آوى من النّخلة المنفردة.. شمّت الفرس ريحه فقامت على قوائمها.. وجذبت الحبل السرّي بأسنانها.. وقامت للمهر تلحسه وتشمّه في رأفة وحنوّ.. كان الله قريبا جدّا وأنا أدعوه بكلّ جوارحي: “اللّهم سلّم”..
اِلتفّ اِبن آوى بالنّخلة وتأهّب.. اِلتفتت الفرس نحوه وضربت بحافرها فتراجع قليلا.. كان المهر الصّغير يسعى للوقوف فيسقط.. حتّى اِستقام واِهتدى لضرع أمّه فألقمته حلمته..
والله، لقد رقص قلبي كما رقص لسعيد حين خطف لنا أنجما من السّماء.. واِنتصر لنا.
تحرّكت الفرس نحو النّخلة فتبعها مهرها.. لفّت رقبتها على جذعها كمن يقبّل حبيبا.. واٍندفع الصّهيل صافيا من صدرها.. واِنطلقت في البريّة كريح لا تدري زمن هبوبه يتبعها مهرها.. واِختفت عنّي في غبارها..
تسلّل اِبن آوى إلى السّلاء يتشمّمه ويخطفه خطف جائع ويعدو به.. كنت أرى المشهد وألعن بنات آوى.. فقد أخذوا في حكايانا الحزينة أكثر من وجه..
مال اللّيل إلى أواخره.. وسمعت آذان الفجر واضحا.. واضحا كدموعنا الّتي سالت من عشق جنوبيّ.. يبدأ من النّخل وينتهي عنده.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: