أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / فخاخ صندوق النّقد الدّولي لتفليس “الستاغ”.. هل سيُجنِّبُها اِتّفاق اِتّحاد الشّغل مع الحكومة؟

فخاخ صندوق النّقد الدّولي لتفليس “الستاغ”.. هل سيُجنِّبُها اِتّفاق اِتّحاد الشّغل مع الحكومة؟

Spread the love

الأستاذ شكري بن عيسى

من يقرأ محضر اِتّفاق جامعة الكهرباء مع وزارة الطّاقة، أو بالأحرى اِتّحاد الشّغل باِسم الجامعة والطّرف الحكومي الّذي ضمّ وزراء المالية والطّاقة وكاتب عام الحكومة، يسجّل جملة من الإيجابيات الّتي لا ينكرها إلاّ جاحد، كما يسجّل نقلة نوعيّة في الأداء النّقابي، غير أنّ الأهمّ هو برغم قيمة هذا الاِتّفاق هل سيجنّب “الستاغ” طريق الإفلاس المحدّق ويمنع الهاوية نحو الخوصصة المباشرة أو المقنّعة القادمة على زورق صندوق النّقد الدّولي شديد السّرعة؟

نقلة في الأداء النّقابي.. اِرتقاء بالمطالب إلى المستوى الوطني

الاتفاق في قراءة أوّلية جنّب شركة الكهرباء والغاز الوطنية والبلاد كثيرا من الانهيارات، فتلافي الاضراب وخاصة في هذه الفترة المشتعلة اجتماعيا أمر ايجابي لفائدة الشركة والبلاد، وايضا لفائدة الاتحاد الذي عادة ما يلصق به النزوع للارباك والفوضى حتى مع احترامه القانون وعلى مشروعية مطالبه، وتفضيل منطق الحوار والتفاوض على التنازع والمغالبة هو في المحصلة دليل نضج ورقي حضاري، وفي هذا الخصوص فالشركة اليوم في ظل الامتعاض الشعبي وتدهور صورتها لدى فئات واسعة من الشعب، كل ايقاف او تراجع في الخدمات ايام الاضراب سيزيد في العداوة ازاءها، كما أنّ عديد المصالح الحيوية الاخرى في البلاد قد تتدهور وتزيد في الوضع الوطني المتداعي، وهو ما سيضرّ الى حد كبير بالوضع العام للبلاد مع كل التداعيات المنتظرة.

الاتحاد ظهر بمظهر الصامد في في مراحل المفاوضات، وتحمّل كل أشكال التشكيك والاتهامات والشيطنة الداخلية (التي كانت انفعالية وغير متأنية في اغلبها)، واثبت أنه قادر على تحقيق نتائج بفعالية، وان الصبر والجلد هما حد ادوات التفاوض النقابي وان تأجيل اضراب ليس خسارة اذا كان في نطاق تكتيك ومناورات مؤسسة، كما اثبت انه يمتلك سلطة تفاوض قوية جعل الطرف الاخر يستجيب الى حد محترم لمطالبه، وخاصة باعتماده على مرتكزات مالية وتقنية الى حد ما مدروسة، وبصفة أخص بارتقائه بمستوى المطالب الى الوطني، بالدفاع على ديمومة الشركة وتوازناتها المالية وعموميتها، وهذا من شأنه ان يرفع رصيد الثقة في الشركة لدى الحرفاء والمواطنين المتدني في عمومه.

اِتّفاق يحقّق نقلة ملحوظة في الوضعيّة المالية لـ”السّتاغ”

محضر الاتفاق الممضى بتاريخ 15 جانفي 2018 سجّل تقدما مهما في حالة الشركة التونسية للكهرباء والغاز، ونقل وضعيتها من مرحلة هشة متداعية الى مرحلة اقل هشاشة، واحتوى في مضمونه على جملة من الالتزامات فيها مستوى مقبول من الوضوح والدقة من جانب الطرف الحكومي، وحضور وزير المالية كان هاما جدا لأن المسألة مالية بالاساس في اغلبها، غير أن عدم تجسيم التزامه (بالامضاء) برغم ورود اسمه بين الحاضرين مثير للخيبة الحقيقة، وفي كل الحالات فحضور الامين العام لاتحاد الشغل بما يمثله من رمزية وجدية معروفة يغطي الى حد كبير على هذا الفراغ، وفي المحصّلة التعهدات كانت صريحة ومكتوبة من قبل وزارة الاشراف في شخص وزير الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة.

ما تم تسجيله الحقيقة كان عالي الاهداف والمرامي، متنوع المجالات والاليات، وخاصة فيما يتعلق بجانب الصرف وشراء الغاز بالدينار والدعم، بفرض “اعداد دليل اجراءات لسياسة الصرف”، و”تكوين فريق عمل من الستاغ في مجال الصرف بالتعاون مع البنك المركزي”، و”التنسيق.. للحد من انعكاسات مخاطر الصرف”، وهو امر هام جدا اذا اضيف لأمر التأكيد على “تسديد كلفة شراء الغاز الوطني بالدينار” و”ان تكون اسعار إتاوة أدنى من سعر شراء الغاز الجزائري”، اضافة الى تجديد التزام الحكومة “بتحمل الاعباء المالية المرتبطة بعملية شراءات الغاز” على ان تصرف بموعد محدد، في نطاق التزام الحكومة الشامل بمستحقات الدعم المخصصة للشركة بموجب قانون المالية ضمن اقساط مرتبطة بأربعة (4) اجال مضبوطة، ويظل تعهد الحكومة بالضغط من اجل خلاص المؤسسات العمومية لمتخلداتها المالية او سدادها هي لهذه الديون، وايضا التزامها “بالطابع العمومي للشركة”، أمرا عالي الاعتبار.

.. في مناخ ينبىء بالاِنهيار

نقول ذلك لأنّ الوضعية المالية للشركة صارت متدهورة للغاية (والامر في بنيته العميقة ليس مرتبطا بالادارة العامة) والامور تسير في اتجاه افلاس وشيك، والسبب في جزء محدد مرتبط بعدم استخلاص جزء هام من ديون الشركة لدى المؤسسات العمومية، وفي آخر مرتبط بالخسائر التقنية والخسائر التجارية عموما والغش التي تمثل قرابة 17% في 2016، ولكن السنوات الاخيرة بعد دخول الالية الموسعة لقرض صندوق النقد الدولي (MEDC) الامر اصبح من الفداحة في خصوص خسائر الصرف، واذا ما اضفنا اليها تزايد ارتفاع سعر برميل النفط لهذه السنة فالافلاس ربما يكون في 2018، ولم نتحدث عن خسائر الفساد او سوء الحوكمة او الخيارات الاستراتيجية السيئة، ومن هذا المنطلق يبرز اهمية الاتفاق.

نعلم ان اصحاب القرار غير مكترثين في اغلبيتهم لهذا الامر، واغلبيتهم الساحقة في مختلف المستويات لا يجيدون قراءة القوائم المالية، ومن هذا المنطلق يأتي استحقاق النقابة على نواقصه وهناته، التي تفطّنت لهذا الامر ووضعته اعلى اجندتها وفي مقدمة مطالبها، ولكن الحقيقة أن هذا الاتفاق على اهميته قد لا يفي بالمطلوب، اذا اخذنا المعطيات بموضوعية واذا ما تعمقنا في التشريح، فالشركة خسرت اليوم قرابة نصف رأسمالها (المحاسبي) والامر في تدهور حاد مع الوقت، كما انها تعيش في بيئة تزداد يوميا مناوءة وعداوة فضلا عن التدخل العشوائي (وتلافيت كلمة عنيف) للطاقات المتجددة، يضاف اليها الخيارات الاستراتيجية التقنية والتمويلية غير المناسبة.

أرقام مفزعة!!

رأسمال الشركة المحاسبي في نهاية 2016 وصل الى ما يزيد قليلا عن النصف، ونزل من قرابة 1582 مليون دينار الى قرابة 855 مليون دينار، أي خسارة تقدّر بما يناهز 727 مليون دينار، والامر الخطير اذ أن قرابة نصف هذه الخسارة سجلت في 2016 بما يزيد عن 354 مليون دينار، في مقابل خسائر متراكمة على مدى سنوات في حدود 373 مليون دينار، وهذا بالرغم أن الشركة سجلت نقصا في نفس السنة بالنظر الى 2015 في كلفة البيع المتعلقة خاصة بالمحروقات بما يناهز 1060 مليون دينار، ما جعل نتيجة الاستغلال ايجابية بما يزيد عن 310 مليون دينار، تحوّلت الى خسائر صافية بقرابة 354 مليون دينار، بعد تسجيل ارتفاع حاد في الاعباء المالية الصافية بقرابة 485 مليون دينار.

هذه الاعباء المالية تاتي في جانب كبير منها من خسائر الصرف المقدرة بما يقارب 576 مليون دينار، وهو ما قلب نتيجة الاستغلال الايجابية الى سلبية بمئات المليارات، والمنتظر سنة 2017 اذا ما اخذنا التدهور الوحشي للدينار ان تكون النتيجة سلبية ايضا، وهو ربما ما سيأكل في الجملة قرابة ثُلُثي رأس المال الذي قد ينزل الى حدود 500 مليون دينار، وهو رقم مفزع بكل المقاييس، خاصة وان مديونية الشركة غير الجارية في ارتفاع ووصلت سنة 2016 ما يزيد عن 4400 مليون دينار، وبنيتها يمثل فيها اليورو 73% الذي ارتفع مقابل الدينار في السنة الفارطة بما يزيد عن 21%.

ص. ن. د. والآليات “النفّاثة” للتّفليس المُقَنِّع

المشكل الجوهري أن منح الصندوق الدولي لتونس القرض الموسّع (2,9 مليار دينار)، مشترط بشكل جوهري بتعويم الدينار ونحن اليوم وصلنا في بعض التداولات الى تجاوز 3 دنانير مقابل اليورو، والامور لا تزال في اتجاه التدهور الحاد وهو ما سيفاقم في الوضعية المالية للشركة، وهي من سياسات هذه الهيئة المالية الدولية التي تتبنى السياسات النيوليبرالية الداعمة لتخلص الدولة من النشاطات الاقتصادية، والدخول على خط الخوصصة المباشرة وفي بعض الاوضاع عبر الطرق الملتوية او المقنّعة، وهذا الامر اشار اليه الفيسلوف الالمعي نعوم شومسكي الذي درس بعمق اساليب صندوق النقد الدولي في الصدد، وهو ما يسعى الصندوق لتحقيقه مع الستاغ كنموذج للخوصصة بعد الدفع للتفليس.

التفليس المقنّع غير المباشر يتم الدفع له عبر عديد الاليات، اما برفع الدعم او تعويم الدينار او تسريح الموظفين او عبر مناولة بعض النشاطات الأساسية Externalisation des activités principales او عبر الشراكة الخاصة العامة p-p-p، واتفاق الجامعة-الاتحاد مع وزارة الطاقة-الحكومة ان كان يفرمل من سرعة الاتجاه نحو الافلاس المحدق، فهو لا يوقف بحال الانهيار القوي، فالدينار يتهاوى باطراد ومثال الجنيه المصري يحضر في الاذهان في الصدد، ومع دخول المغرب على خط التعويم سيزداد التنافس نحو تخفيض الدينار، وبالنسبة للدعم فالدولة اتخذت قرارها والدعم المخصص للمحروقات في قانون المالية محدد بسقف واضح (1500 مليون دينار دعم للمحروقات مع مبلغ 358 مليون دينار لتعديل تعريفتي الكهرباء والغاز)، والقانون لا يمكن تجاوزه الا في حدود مضبوطة، وان ارتفع الدولار (معدل الميزانية: 2,65 د سعر الدولار) اكثر من المعدّل المضبوط وارتفع سعر برميل النفط (معدل الميزانية: 54 $ للبرميل والان يفوق 68 $) فلا مناص من رفع اسعار الكهرباء، في واقع اجتماعي محتقن جدا لا يسمح بالامر الا في حدود دنيا، وبالتوازي اليوم الشراكة الخاصة العامة على اشدها وقانون تسريح الموظفين تمت المصادقة عليه.

دور اِتّحاد الشّغل المفقود.. تفكيك فخاخ ص. ن. د.

ودون الدخول في عديد التفاصيل القانونية والمالية والسياسية فالامر بالفعل يتجاوز ما تم الاتفاق بشأنه، والخيارات سياسية اقتصادية بالنسبة للحكومة التي انخرطت في عمق سياسات صندوق النقد الدولي التدميرية، وعندما تصل اوضاع الشركة المالية الى ابتلاع رأس المال فوقتها يكون الافلاس، واسعار البيع سترتفع والامور ستدهور، وستتعالى الاصوات من الداخل والخارج من اجل التخلص من “الجثة”، وبيعها في المزاد العلني بارخص الاسعار، فالمهم ان ياتي الشاري الذي سينقذ الوضع، وهو الامر الذي لم تتفطن له منظمة حشاد ولم تتصدى له في بداياته، بالرغم من تحذيراتنا المتكررة في عديد المقالات وعديد الندوات، ومع الاسف اتحاد الشغل يفتقد لمركز دراسات استشرافي لتفكيك مثل هذه الفخاخ المالية التي يجرنا لها الصندوق الدولي.

اليوم القضية وطنية والخسائر باتت فادحة على مستوى “الستاغ”، وكنت اقترحت في نص سابق تشكيل مجموعة أزمة ويقظة استراتيجية، تجمع بين الادارة العامة والنقابة وخبراء مختصين اكاديميين والمركزية النقابية وممثل عن المجتمع المدني، واصدار تقرير مفصّل حول المخاطر الاستراتيجية التي تهدد مستقبل الشركة في ظرف ثلاثة (3) اشهر، واعداد المخطط المناسب في الصدد واعداد الخطة الاتصالية المناسبة، فمع تدهور الوضعية المالية للشركة والزيادات المنتظرة في اسعار الكهرباء والغاز وارتفاع سعر اليورو والدولار، ستزيد صورة الشركة تدهورا وفي هذا الخصوص تتنزل المعركة الاتصالية، التي وجب ان تنطلق مباشرة من أجل ادماج المواطن (الحريف) في الادارة والتصرف، واطلاعه على واقع الحال والدفاع عن حقه في المعلومة والشفافية واشراكه في الحوكمة، وتحويل الشركة في هذه المرحلة الى مؤسسة مواطنة Entreprise Citoyenne يكون المواطن فيها رأس الحربة للدفاع عن عموميتها وشفافيتها وتحصينها من الغش ورفع مستوى التسيير الاستراتيجي، والدفاع عن توازناتها المالية واستمراريتها بالتصدي للسياسات النقدية التخريبية للصناديق والبنوك الدولية.. التي تستهدف الشركة الوطنية الاولى في تونس ومن ورائها المواطن!!