شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | على إيقاع “شورى مغلقة”… حكومة الشّيء المعتاد…. عن النّهضة والآخرين…

على إيقاع “شورى مغلقة”… حكومة الشّيء المعتاد…. عن النّهضة والآخرين…

Spread the love
الأستاذ الحبيب بوعجيلة

من غرائب التّباينات والتّقاطعات داخل الحزب المكلّف بتشكيل الحكومة هو إعادة الاِنتشار الّذي تمارسه بشكل دائم شخصيّات قياديّة محمولة على خطوط متباينة مع رئيس الحركة راشد الغنّوشي.

السيّد لطفي زيتون، وحده تقريبا، هو الّذي يحافظ منذ سنوات على وجهة نظر متكاملة وثابتة في الاِنتقال الدّيمقراطي ملخّصها: لا اِنتقال آمن إلاّ بتسوية والاِستمرار في تسوية تامّة مع القديم/ الدّولة/ المنظومة… بعيدا عن تقسيم قديم/ جديد.. ثورة/ ثورة مضادّة… وقد تمسّك السيّد لطفي زيتون بهذه الرّؤية حتّى أثناء اِنقسام النّداء لينحاز بلا تردّد إلى وجهة نظر الرّئيس الرّاحل معتبرا أنّ الباجي هو رمز الدّولة/ النّظام الّذي يجب أن تتمسّك النّهضة بالتّسوية معه… وفي نفس السّياق واصل السيّد لطفي زيتون بقراءة نتائج اِنتخابات 2019 ضمن رؤية تسوويّة معتبرا أنّ النّاخبين صوّتوا للوحدة الوطنية لا للثّورة ضدّ الثّورة المضادّة ولا للجديد ضدّ القديم. ولهذا اِعتبر زيتون أنّ “اللن الزّمخشرية” الّتي أعلنها الشّيخ في مواجهة قلب تونس بعد الاِنتخابات والخطاب الاِنتخابي “الثّوري” “الإسلامي” الّذي اِعتمده أثناءها هي أخطاء وتراجع عن الخطّ التطوّري للنّهضة.

أختلف مع لطفي زيتون في هذا التّقدير. وقد اِختلفت معه على المباشر وحاول تحريف كلامي في سياق تكتيك شرعي في البوليميك حين اِعتبر الخطاب النّاقد للتّسووية المطلقة تقسيما وضربا للوحدة الوطنية.. ولكنّنا يجب أن نعترف لزيتون باِستقرار خطابه على نفس الخيط النّاظم.

في المقابل يبدو بعض المحمولين على ما يسمّى الخطّ الإصلاحي المعارض للغنّوشي في وضع اِرتباك خطابي. يتبنّون الفكرة “الثّورية” حينا وعندما يصل الغنّوشي بواسطتها إلى المأزق يذكّرونه بضرورة الوضوح ويلومونه على “اللن الزّمخشرية” ويدعونه إلى “النّقد الذّاتي” وإن لزم التّراجع عن الخطّ الثّوري أو المواصلة فيه وتحمّل مسؤوليّاته بحيث ندرك بسهولة أنّ الأمر يتعلّق لدى رموز هذا التيّار هو “ترصّد الغنّوشي” ودفعه باِستمرار إلى الخطأ دون أن يكون لهم القدرة لا على دفع الخطّ الثّوري ولا التّأثير في الخطّ التّسووي. وفي نفس السّياق لا يتردّد رموز هذا التيّار في نقد من يفترض أنّهم شركاء في الخطّ الثّوري الّذي يناصرونه ضدّ التّسووية السّابقة للغنّوشي ولذلك تراهم أكثر النّاقدين لحركة الشّعب والتيّار الدّيمقراطي رغم أنّ المفروض اِستعمالهما ظهيرا في معركتهم.

الغنّوشي يقرّر باِستمرار أهدافه القصوى ويصل إليها بالتّدريج عبر اِستعمال مختلف التيّارات المتناقضة الّتي يجعل كلّ واحد منها وسيلة في مرحلة معيّنة.

حركة الشّعب والتيّار الدّيمقراطي واِئتلاف الكرامة الّذين كانوا المرشّحين الأساسيين للاِستفادة من المرحلة عبر “جرّ النّهضة” إلى حسم أمرها في الاِنحياز إلى حكومة “جديدة” متناغمة مع خطّ قرطاج واِنتخابات 2019 فشلوا في معركة التّفاوض لسبب أساسي هو عدم قدرتهم على اِستيعاب طبيعة التّناقضات داخل حركة النّهضة وفهم الأسلوب الغنّوشي في التّفاوض وطبيعة التّشابك بين خطط النّهضة وإكراهات القديم وتوصيّات الإقليم والمراكز الدّولية، وهي عوامل كان بالإمكان تحييدها بمجرّد الوعي بها لتقبل نهضة الغنّوشي بإغماض عينيها و”اِستنشاق النفّة الثّورية” وهي صائمة على طريقة الشّيخ الّذي يوصي أبناءه.

ما نسمّيهم بأحزاب مشتقّات القديم ستكون هي الأكثر اِستفادة من سخاء الغنّوشي لأنّها كانت الأكثر تسلّحا بالمعلومة عن طبيعة التّباينات النّهضاوية والإكراهات المحلّية والدّولية والأكثر معرفة بكيفيّة تفكير الغنّوشي “في آخر التّحليل”…

مع ذلك فإنّ اِستعادة مضغ الأمس في سياقات اليوم وغدا لن يكون دائما حلاّ إذ قد يصبح مشكلا عويصا لا يريح جيّدا حتّى رعاة اِنتقال سئموا من رؤيته يعيد نفسه باِستمرار.