شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | عشّاق الوطن والبحث الموسيقي وأصحاب الكلمة.. محرقة الأغاني والفرق الموسيقية الملتزمة في تونس

عشّاق الوطن والبحث الموسيقي وأصحاب الكلمة.. محرقة الأغاني والفرق الموسيقية الملتزمة في تونس

image_pdfimage_print

عشاق الوطن

الأستاذ شكري بن عيسى

الأستاذ شكري بن عيسى

لمّا توجّه رئيس الحكومة الجمعة لمدينة الثّقافة، الّتي تمّ في يومين تهيئة مدخلها والسّاحات الواقعة داخل أسوارها بالأعشاب والورود والزّخرف المتنوّع في اِستمرار للخداع السّياسي القديم-الجديد، لم يلتفّ بالشّاهد وهو يتنقّل بين القاعات والأروقة في الأغلبية، سوى تلك السّدنة من الفنّانين المتهافتين في أكثرهم، فنّانو المهرجانات والأفلام والمسلسلات والمسرحيات المعتادة اِجترارا وتكرارا، وتمّ اِستثناء، عمدا أو نسيانا، القامات الفنّية الحقيقية، المتميّزة في أدائها ومشاريعها الفنّية وفي تاريخها، والّتي مثّلت نخبا فنّية حقيقية ومثقّفين عضويين قاوموا، وفي مقدّمتهم الأسماء الكبرى للمجموعات الموسيقية الملتزمة، من شعراء ومغنّين وملحّنين وعازفين.

مشهد جليّ عكس بوضوح السّياسة الرّسمية للدّولة، عبر توظيف فنّاني الاِرتزاق والغنم الّذين نقعوا من كلّ الموائد، وساندوا الحاكم المستبدّ وهلّلوا وطبّلوا مقابل الحظوة والتّبجيل والنّفوذ والمصالح والرّحلات، وساهموا بذلك في التّعمية على المآسي وطمس الحقائق وتزوير بشاعة النّظام بتزويقها وتجميلها، مظهرين تونس بلد “الفرح الدّائم” و”السّعادة الغامرة”، مساهمين في تجويف الوعي وتغييبه وتزييفه وتسطيح التّفكير وتصحير العقول، وضرب الإرادة الذّاتية والجماعية، وقتل القيم والمثل والفضائل وتشويه الذّائقة الجمالية والفنّية.

ولم تشذّ هذه الصّورة وهذا المشهد بعد ثورة الحرّية والكرامة، بل ترسّخت مع ترسّخ واقع سياسي هجين في قطيعة مع طموحات الشّعب، وبقي الاِستثناء والإقصاء مضروبا على المجموعات الموسيقية الملتزمة بالكلمة الهادفة واللّحن الرّاقي الشجيّ، والحصار طال أغلب عناصرها وأعضائها ورموزها إن لم يكن كلّهم، والعملية باتت اليوم ممنهجة منتظمة واسعة، فصندوق الدّعم الفنّي المسرحي والسّينمائي والموسيقي صار حكرا على نفس الأنماط والوجوه المعتادة، والمناشط الرّسمية والفعاليات الثّقافية لا يشهر فيها ويتصدّرها إلاّ تلك الوجوه المجترّة في أغلب الأوقات.

مجموعات موسيقية بأكملها اِستعادت الرّوح بعد الثّورة وظهرت، بعد سنوات التّنكيل النّوفمبري والتّضييق والمنع والحجر وحتّى السّجن، تذكّرنا بأحلى سنوات العمر وتحيي فينا تلك الأحلام الكبرى، بالحرّية والعدالة والدّيمقراطية والكرامة وكسر القيد والأغلال وتحدّي الظّلم والباطل والشرّ والتحرّر الوطني الفلسطيني، من فرقة البحث الموسيقي وعشّاق الوطن وأصحاب الكلمة والشّمس الموسيقي، إلى الحمائم البيض والمرحلة وأولاد الجنوب وحتّى بعض الأفراد (الفرقة) مثل جلال قارسي، اِمتزجت على اِمتداد عشرات السّنين بموجة الفنّ الملتزم العربية الّتي قادها الشّيخ إمام وفؤاد نجم في مصر، وفي المغرب أصحاب الكلمة وجيل جيلالة وفي لبنان مارسيل خليفة، هذه المجموعات في تونس اِندثرت اليوم أو تكاد بفعل التّهميش والإقصاء والحصار الممنهج.

فبالنّسبة للنّظام الحاكم بأدواته الجديدة القديمة الثّقافة في عمق محاور التّزييف السّياسي، والمعركة حقيقية بالنّسبة لهم ونفس المنظومة السّابقة تشتغل بكامل أجهزتها وماكيناتها وآلياتها، فالتّوافق السّياسي الّذي يحمي نفس المنظومة ومغانم السّلطة والمال والنّفوذ والجاه يحاصر بقوّة إنتاج الوعي الحقيقي فنّيا وثقافيا، بنشر التّطبيع مع الاِبتذال والرّداءة والتّفاهة والسّطحية المقرفة، فالأداة الثّقافية والفنّية عالية الفعالية وسهلة التّأثير، باِكتساح المنصّات والبلاتوات والسّاحات والمسارح والشّاشات مناشط الهشك بشك وتدوير الحزام والصّورة الزّائفة والنّجوم المصطنعين، الّذين يصبحون قدوات في حرف الشّعب عن حقيقة واقعه ويجهضون أحلامه وتطلّعاته الحضارية الكبرى.

واليوم يصار إلى تغيير شامل للسّلوك الاِجتماعي والفردي بشكل سلبيّ للغاية، باِستغلال والاِنقضاض على الفراغ الفكري والرّوحي والقيمي الّذي أحدثه زلزال التّغيير الثّوري، وتمّ التّكثيف والقصف عوض نشر قيم ثورية بالتّوازي مع ما دفعت إليه أهداف الثّورة من تشكيل عقلية وروح وثقافة ثورية حقيقية، وفي تركيز الرّقابة المجتمعية على العنف المادّي البوليسي والقضائي الّذي كان يعتمد زمن الدّيكتاتورية، اليوم يتمّ الاِلتجاء والاِستثمار بقوّة في العنف الرّمزي الثّقافي التّربوي الفنّي، الّذي له نفس مفاعيل العنف المادّي أو أكثر في تحقيق الاِنقياد والخضوع والتّخدير السّياسي، وفي المقابل يتمّ إقصاء وجهات نظر مقابلة بأكملها لتحقيق الهدف بفعاليّة تامّة، الأمر الّذي ركّز عليه المفكّر الألمعي ناعوم شومسكي (مع زميله إدوارد هرمان) حول التّلاعب الإعلامي بالعقول وما أسموه “صناعة القبول”، وأشارت إليه “لوموند ديبولوماتيك” في أحد حواراتها معه تحت عنوان معبّر جدّا “غسيل الأدمغة في مناخ الحرّية”.

والسّنوات الأخيرة أسماء فنانين وشعراء ترسّخت في وجداننا وأذاننا لعشرات السّنين، الفنّانين آمال الحمروني ولزهر الضّاوي وشهاب قاسم وتوفيق المستاوي والهادي قلّة ومحمّد بحر والزّين الصّافي وحمّادي العجيمي وصالح حميدات وآخرين، والشّعراء آدم فتحي وبحري العرفاوي والصّغير أولاد أحمد وبلقاسم اليعقوبي وعبد الجبّار العشّ ومجموعة أخرى، اِستعاد الكثير منهم البروز مباشرة بعد الرجّة الثّورية ثمّ تمّ تهميشهم بشدّة ومنهم من فارقنا إلى الحياة الأخرى وهو في دائرة الإهمال المقيت، ولم نعد نعثر لهم عن صدى سوى عرضا، والماكينة الرّسمية والمنظومة المالية الثّقافية الإعلامية بشكل أوسع كانت وراء التّغييب الواسع.

وفي جزء أعمق، المسألة تتجاوز الوطني إلى المعولم، مع طغيان واِكتساح الإيديولوجيا النّيوليبرالية المعادية للقيم الإنسانية، بترسيخها إيديولوجيا الاِستهلاك والسّلعنة والإشهار، وأنصار المهمّشين والمسحوقين والعمّال والطّلبة والبطّالين الّتي غنّت لنا “خوذ البسيسة والتمر يا مضنوني” و”يا شهيد” و”يوم اِستشهادي” و”هيلا هيلا يا مطر” و”وطن الأحرار” و”لا تلومي يا صبية” و”عشّاق الوطن” و”بابور زفر” (..) يصار إلى خنق أصواتهم وتغييبهم بقوّة، ما جعلهم ضحايا لقوى ضاربة مجتمعة وطنية ودولية بين الإقصاء السّياسي إلى الإقصاء المالي إلى الإقصاء الإعلامي وصولا للتّهميش الممنهج النّاتج من هيمنة النّموذج اللّيبرالي سياسيا واِقتصاديا وماليا وثقافيا، وحتّى حفظ الذّاكرة وتوثيق جزء من تاريخ النّضال الحقوقي والسّياسي والطّلابي والنّقابي الوطني الّذي حقّقته هذه المجموعات الموسيقية الملتزمة يصار إلى مسحه وإتلافه في محرقة حقيقية وإبادة واسعة تشكّل جريمة حقيقية ضدّ الإنسانية بكلّ أركانها. وهو ما تأباه هذه المجموعات والقوى الحيّة في البلاد وستتصدّى له.

ولقد شكّلت الجلسة الممتعة الشيّقة المفيدة الّتي حضرت بعض أجزائها من تنظيم مركز المؤرّخ عبد الجليل التّميمي فرصة لاِستعادة وهج وروح بعض التّجارب في الصّدد وردّ الاِعتبار لها، وإعادتنا عميقا لسنوات الثّمانينات والتّسعينات من القرن الماضي، في وصل بين التّوثيقي والتّأريخي والفكري بالفنّي الموسيقي، وكانت لحظة مقاومة حقيقية ضدّ النّسيان والتّدليس وطمس الحقيقة والقتل الرّمزي، وتبقى إشكالية المجموعات الموسيقية بين جدلية الحصار والإقصاء والمقاومة والملاءمة مع التّقنيات الحديثة والتّسويق الثّقافي والملاءمة مع الواقع سريع النّسق مع اِستحقاق الاِرتقاء بالكلمة والذّائقة معادلة صعبة تطرح تحدّيا ورهانا عالي القيمة لوطن جريح وثورة مصادرة في حاجة لمنظومة قيم ثقافية فنية أصيلة مبدعة تتطلّب الحضور القويّ الفاعل لهذه الأنماط الموسيقية النّوعية!!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: