الرئيسية | غير مصنف | “روح الشّريعة الإسلاميّة”

“روح الشّريعة الإسلاميّة”

image_pdfimage_print

الأستاذ محمد الحاج سالم

أنهيتُ بفضل الله إحدى أهمّ ترجماتي في الإسلاميّات، وأخذ الكتاب طريقه إلى المطبعة ليصدر قريبا في الكويت عن مركز نهوض للدّراسات والنّشر… إنّه كتاب “روح الشّريعة الإسلاميّة” لعالم الإسلاميّات الكبير جون بول شارناي (Jean-Paul Charnay) الصّادر بباريس في العام 2008، ويُمثّل عصارة طروحاته ومناقشاته طوال ثلاثة عقود حول مسألة التّشريع في العالم الإسلامي، وهو كتاب تعلّمتُ منه الكثير وآمل أن تُسهم ترجمته في إثراء النّقاش حول مجمل المسائل الّتي يبدو أنّها اِستأثرت في المدّة الأخيرة باِهتمامات النّخبة المثقّفة في تونس على إثر صدور تقرير لجنة الحرّيات الفرديّة والمساواة…

لأحبّائي هذه الفقرة المختارة من الكتاب، وفيها بيان للمخاطر الّتي تتربّص بكلّ حركة تجديد في هذا الشّأن: اللاّواقعيّة- الاستسهال- عدم التكيّف الاِجتماعي- نزع القداسة (ص 42-43):

“ما يعترض عليه العالم الحديث لا يقتصر على محتوى الفقه (مثل الوضع العائلي، فقه المواريث أو العقوبات…)، بل هو كذلك طرق الاِستدلال والهيبة الاِجتماعيّة للفقهاء، وباِختصار، هندسة المجتمعات الإسلاميّة وتنظيمها. ومن هنا ثورة الأصوليّين الّذين لا يدافعون عن هذا أو ذاك من أحكام الشّريعة بصفته تلك؛ بل لأنّه يمثّل جزءا، بطبيعة مصدره، من مجموع كان قد اِكتسب اِتّساقا عبر الأجيال.
لذا، تنفتح أربع طرق من شأنها تجاوز الصّلابة الحرفيّة للنصّ:
– الفيض الصّوفي، وخطر ذلك أن يُترك إلى السّلطة (مسلمة أو غير مسلمة، أو مضادّة للمسلمين) تنظيم المدينة الإسلاميّة والحياة اليومية. ونكون هنا أمامَ عقبة اللاّواقع.
– تنزيل أحكام الوحي ضمن سياقاتها التّاريخيّة بحيث لن تُطبّق في ظلّ الظّروف الرّاهنة، مع التوقِّي من أن يؤدّي ذلك إلى غربلة القرآن وفق الأيديولوجيّات والتغيّرات الاِجتماعيّة. ونكون هنا أمام عقبة السّهولة.
– الهروب إلى الأخرويّات. بما أنّ القرآن غير مكتمل مقارنة مع نصّ موجود في السّماء {فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 22]، فإنّه لا يمكن الاِستفادة من تطبيق غير ملموس. ومَكْمَن الخطر في ذلك، هو نفي كلّ عقلانيّة وكلّ يقين دنيوي، عن العلاقة بين الإيمان والأعمال. ونكون هنا أمام عقبة عدم التكيّف الاِجتماعي.
– النّقد الأثري التّفسيري والتّأويلي الحداثوي، الّذي ستتجاوز نتائجه إعادة تفسير الأحكام إلى التّشكيك في نصّ القرآن ذاته، أي نفي تعاليه، وتنسيبه. ونكون هنا أمام عقبة نزع القداسة.

ويظلّ السّؤال قائما: ما هو القانون الّذي سيُعتمد مصدرا أعلى؟ هل هو الشّريعة كما ورثناها من العصر الكلاسيكي، أم القانون الوضعي للدّولة ذات السّيادة؟

وهذه فقرة أخرى مطوّلة من ترجمتنا لكتاب جون بول شارناي “روح الشّريعة الإسلامية” (ص 43- 46):

كما يواجه الاِجتهاد الفردي من ناحية أخرى، عقبات رئيسة: الضّغط والرّقابة الّتي تمارسها الأنظمة الاِستبداديّة، ناهيك عن الأنظمة الدّيكتاتوريّة، على العقول الحرّة؛ ولكن أيضا الصّعوبة الّتي يلقاها عقل حرّ واحد لإتقان مجموع المعارف اللاّزمة لإعادة تفسير الإسلام في العالم المعاصر عدَا عن حذقه العلوم الدّينيّة والنّحويّة الكلاسيكيّة الضّروريّة لذلك.
لذا، فإنّ هذه التّأويليّة الجديدة تقترح الاِجتهادَ الجماعي، والتّفكير ضمن مجموعات تحدّد الورشات الّتي يجب أن تفتح، وهو ما من شأنه أن يسمح بالقيام ببحوث متعدّدة التّخصّصات تستعين بمجمل العلوم الإنسانيّة، وهو ما يسمح أيضا بتجنّب زهو الباحث المعزول بنفسه، وتحسين حماية المفكّرين من ردود الفعل، وحتّى من القمع السّياسي.
ومع ذلك، توجد مخاطر كبيرة:
أوّلها اِجتماعي: أن تؤدّي المسارات المفتوحة الّتي يمكن أن تكون متباينة، في نهاية المطاف إلى اِنشقاقات جديدة داخل الإسلام. ولعلّ ما يزيد في إمكانيّة هذا الخطر هو وجود اِجتهاد “دنيوي” و”ضارّ”، تقوم به دوائر الأعمال أو الأوساط الطّائفيّة المتكاثرة، ممّا يؤدّي إلى نشوء “إسلامات جديدة”.
وثانيها روحيّ: أن تتقوّض عقيدة سيادة الوحي الإلهي، هذه السّلطة النصّية البدئيّة المؤسّسة للإسلام، وأن يذوب التّسامي في رفاهية المحايثة، في إغراءات المجتمعات الإباحيّة والاِستهلاكيّة.
إنّه الموقف الّذي يشكّل الدّرعَ المتصدّي للتّفسيرات المتطرّفة، ويشكّل التّنفيذ المباشر لمبدأ سيادة حكم الوحي ومبدأ الحاكميّة في الإسلام، ولكنّها مبادئ تُستقرأ اليوم بطريقة ترفض المبادئ القديمة للاِحتراز والتّواضع: “من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ”، “ستفترق أمّتي على ثلاث سبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة”، كما جاء في الحديث.
ومن هنا العودة القديمة إلى التّقليد، واِجترار الحلول القديمة المجرّبة. ولكن اليوم، يُضاعف تفجّر الذّاتيّة الحادّة، ودون إقناع الجماهير، الدّعوات نحو اِجتهاد “جماعي”، أي نحو “اِجتهاد جديد” وبناء أنظمة تهدف في نهاية المطاف إلى عدم تطبيق آيات الحدود القرآنيّة، وهو ما لا يمكن أن يكون إلاّ إذا تمّ حلّ المشاكل القانونيّة (أي بنية الأسرة وأخلاق الشّعائر التّقليديّة) بنزع القداسة عن النّصوص. وهذا لا يعني إيجادَ حلّ، بل نفي المشكلة الّتي تطرحها الشّريعة المنزّلة.
ومن هنا بروز حركة ثلاثيّة متناقضة حاليّا:
– تفسيرات مفرطة للهروب من قواعد الشّريعة الّتي تظهر للمسلمين الغربيّين الجدد، وللمجتمعات الإسلاميّة الصّناعيّة الجديدة، متعارضة أشدّ التّعارض مع حقوق الإنسان وما بعد الحداثة، رغم الجهد في الحفاظ على قدسيّة الشّريعة الإسلاميّة، وهذا في الواقع ما يضرّ بها.
– القضاء على التّعدديّة الفقهيّة في الشّريعة الإسلاميّة من خلال المركزة التّشريعيّة والقضائيّة في الدّول القوميّة؛ إذ ينشئ كلّ منها قانونا وضعيّا خاصّا به، بما يؤكّد الطّبيعة التّقنية للقانون الخاصّ، ويترك للحكومة مطلق اليد في مجال القانون العامّ لكي تنظّم مجال العبادات والطّقوس بحسب الأهواء السّياسيّة والضّغوط الاِجتماعيّة ضدّ تقويّة ضيّقة حريصة على إعادة اِستثمار قانون الأحوال الشّخصيّة، وحتّى القانون الجنائي، أي الأخلاق. فاِلتقاء هاتين الحركتين المتعارضتين يؤدّي إلى إعادة أسلمة خفيّة للمجتمع.
– التّجانس الدّاخلي لقانون الدّولة الوضعي الرّافض للأعراف المحلّية، وعلى العكس من ذلك، اِختراقه من قبل الاِشتراطات الاِقتصاديّة للقانون التّجاري الدّولي، أي العولمة. الأمر الّذي يثير بدوره إرادةَ بناء شبكات البنوك الإسلاميّة الّتي تعمل بطريقة عدم المخاطرة (اِعتبار المخاطرة تعدّيا على مشيئة الله)(*) وبدون فائدة (ما لا يُكتسب بالعمل، هو محض ربا).
ولا تكمن الصّعوبة في اِتّحاد، معلن بقوّة أو مرفوض بحماس، بين السّياسي والدّيني أو تبعيّة الأوّل للثّاني. ذلك أنّ الحاكم المسلم خاضع في كثير من الأحيان للدّيني، أو بالأحرى لـ”رجال الدّين”: أصحاب العمائم. لكنّ الصّعوبة تكمن في خضوع القانوني للاّهوتي. فالقانوني هو ما يحدّد البنى الاِجتماعيّة، وهذه تُولّد هذه أو تلك من المؤسّسات الأسريّة، وتحدّد العلاقات بين الجنسين ولائحة الفضائل والرّذائل، ومفهوم الخير والشرّ، وأساليب العيش والآداب العامّة… أكثر بكثير ممّا تفعله السّياسة، وهو ما يجعل الأعراف القائمة على العقائد والأحكام المسبقة عصيّة على التّغيير.
ذلك أنّ الخلافات والصّراعات الدّمويّة تتفاقم حاليّا حول هذه النّقطة: هل يمكن للقانوني الاِنفصال عن اللاّهوتي؟ هل يمكن للقانون أن يصبح “وضعيّا” بالمعنى الحديث للكلمة، أي أن يتجاوز الأحكام الحرفيّة للوحي؟ وهل يمكن أن يضعف ذلك عقيدة تجاوز الوحي للتّاريخ، وعصمته وإعجازه؟
ثمّ هل يُمكن للأساليب التّاريخيّة النّقديّة أن تُشكّك في النصّ القرآني نفسه؟ فالعلمانيّة تنفذ من خلال التّأويل في مواجهة المتمسّكين بتقديس النّصوص، مع أخذهم بالتّكنولوجيا، والّذين قد يصل بعضهم إلى اِرتكاب أفعال إرهابيّة على غرار تنظيم القاعدة (الجماعة السّلفيّة للدّعوة والقتال في الجزائر).
ومن ناحية أخرى، تتزايد الرّغبة عند عموم المؤمنين في اِحترام أحكام العبادات بدقّة، بحيث أضحى تفسير مجال الحلال يتمّ بشكل ضيّق، ويتزايد الاِنصراف عن السنّة. فالأحاديث الّتي سبق الاِحتجاج بها بقوّة- حتّى في المحافل الدّوليّة- لتخفيف الشّريعة الإسلاميّة، أضحت الآن محلّ شكّ نظرا لضعف سلسلة اِنتقالها (الإسناد)، ولم تعد تعتبر أحاديث حسنة (*). وكذا الأمر في التّمييز بين الجهاد الأكبر، الرّوحاني، والجهاد الأصغر، الحربي. وكذلك الحضّ على “طلب العلم ولو في الصّين”. وبهذا تتفاقم الرّغبة في النّقاء وعدم التّواصل مع الخارج.
إنّ الطّفرات التّاريخيّة والاِجتماعيّة الّتي لا مفرّ منها تشوّه بشكل عميق الفلسفةَ الأخلاقيّة الكلاسيكيّة، وتغيّر مضمون المعتقدات وتراتبيّة القيم، ممّا يشي بخطر نشوب صراع حضاري بين المسلمين أنفسهم، وخطر بروز اِنشقاق، أو حتّى بدعة جديدة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: