أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / رأي اِقتصاديّ/ متى تقلب تونس الهرم..؟!

رأي اِقتصاديّ/ متى تقلب تونس الهرم..؟!

Spread the love

كيف نجحت البرازيل والفيتنام اِقتصاديّا بقلب الهرم الاِقتصادي والاِعتماد على القاعدة لا القمّة..!

أعتقد بأنّ من أكبر الأخطاء الّتي وقعت فيها تونس طوال العقود الأخيرة هي محاولة إصلاح الاِقتصاد من قمّة الهرم الاِقتصادي.. وليس من قاعدة الهرم الاِقتصادي..!
معنى ذلك بأنّ الحكومات المتعاقبة آمنت بأنّ كبار رجال الأعمال في تونس هم قاطرة الاِقتصاد والاِستثمار..
وأنّه لتنشيط الاِستثمار وتطوير الحركة الاِقتصاديّة.. وبعث مواطن الشّغل.. فإنّه يجب تشجيع أقطاب الأعمال على مزيد الاِستثمار.. وذلك عبر منحهم المزيد من المزايا.. في شكل اِمتيازات وتراخيص وتسهيلات قانونيّة وقروض بنكيّة وإعفاءات جبائيّة ومساعدات مختلفة عينيّة وماليّة..
النّتيجة الحقيقيّة أنّ الأثرياء اِزدادوا ثراء.. والفقراء اِزدادوا فقرا..!
وأنّ الاِقتصاد لم ينصلح حاله.. وبقي متأزّما ومتخلّفا ومترديّا..!

إنّ الاِقتصار على تشجيع كبار رجال الأعمال ومنحهم كلّ الاِمتيازات.. أدّى في الحقيقة في أحسن الحالات إلى زيادة نسب التّشغيل بأرقام هزيلة.. لكنّه لم يخلق الثّروة في أيدي قاعدة شعبيّة أوسع.. باِعتبار أنّه مع زيادة المصانع والشّركات والضّيعات الفلاحيّة والمشاريع باِختلاف أنواعها.. فإنّ ذلك أدّى بالفعل إلى توفير مواطن الشّغل لبضع عشرات أو حتّى مئات الآلاف من المواطنين.. لكن بأجور زهيدة ومتواضعة.. بشكل لم يخرجهم على الغالب من بوتقة الفقر..

لا غرابة والحالة تلك أن يخلّف نظام بن علي وراءه فقرا يشمل حوالي ربع الشّعب التّونسي.. حسب إحصائيّات المنظّمات الدّوليّة.. وأن يبقى الاِقتصاد التّونسي منهكا وضعيفا.. في حين كانت عائلة بن عليّ بمفردها كانت تسيطر على ربع الاِقتصاد التّونسي بحسب دراسة أنجزها البنك الدّولي سنة 2011 بعد سقوط نظامه..!
هذا عدا عن سيطرة مجموعة من رجال الأعمال والعائلات العريقة المتنّفذة والمجمّعات الاِقتصاديّة الكبرى قد لا يفوق عددها المائة.. على ربع الاِقتصاد الآخر..!

لم يختلف الأمر كثيرا عن ذلك بعد تسع سنوات من الثّورة.. برغم عديد الحكومات المتعاقبة من كلّ الألوان السّياسيّة.. والّتي اِنتهجت عموما نفس السّياسة الّتي تعتقد بموجبها بأنّ الكبار هم قاطرة الاِستثمار والتّشغيل في تونس.. وأنّه على الدّولة ليس فقط أن تحميهم.. وإنّما أن تغدق عليهم أيضا الاِمتيازات والعطايا.. وأن توجّه سياسة الدّولة كلّها نحو دعمهم.. لخلق الثّروة.. وبعث مواطن الشّغل.. ودفع عجلة الاِقتصاد..!!
لكنّها مجرّد أوهام لم تنتج شيئا يذكر على أرض الواقع..!

الحقيقة أنّه لو وجّهت كلّ تلك الاِمتيازات والإعانات العينيّة والماليّة.. والتّسهيلات البنكيّة.. والإعفاءات الجبائيّة والاِجتماعيّة.. ليس فقط إلى ألف من كبار المستثمرين.. بل إلى نصف مليون مواطن تونسي.. من الباعثين الشبّان والمؤسّسات الصّغرى والمتوسّطة.. ومن صغار الفلاّحين والحرفيّين والتجّار والمهنيّين.. لأمكن بنفس الاِعتمادات الماليّة.. قلب الاِقتصاد التّونسي رأسا على عقب.. ولأمكن لمئات الآلاف من التّونسيّين.. من عامّة أبناء الشّعب.. ليس فقط الخروج من تحت خطّ الفقر.. وإنّما تكوين الثّروات الصّغيرة والكبيرة..
ولأمكن لكلّ منهم تشغيل شخص أو شخصين آخرين.. بما يعني في النّهاية تشغيل مئات آلاف الأشخاص من المليون عاطل عن العمل بالبلاد.. أكثر من كلّ القدرة التّشغيليّة للدّولة وللكيانات الاِقتصاديّة الكبرى المدلّلة بالبلاد..!
كمثال على ذلك.. سنورد نموذجين واقعيّين لإصلاحات مماثلة اِنتهجتها بلدان فقيرة عانت أزمات اِقتصاديّة وبطالة مرتفعة.. ثمّ اِرتقت إلى مصافّ الدّول المتقدّمة والمزدهرة اِقتصاديّا..

المثال الأوّل.. هو البرازيل..
فقد قام الرّئيس “كاردوس” في الثّمانينات بإصلاحات ليبراليّة عميقة شجّع من خلالها رؤوس الأموال على الاِستثمار وبعث المشاريع.. مانحا إيّاهم كلّ الدّعم الحكومي.. بما أدّى في البداية إلى اِنتعاشة اِقتصاديّة.. تبيّن لاحقا أنّها فقاعة طفرة اِقتصاديّة عابرة.. ولم تصلح حال البلاد في العمق..!!
في سنة 2003 وصلت البرازيل المترامية الأطراف.. وذات العدد الكبير من السكّان.. إلى شبه الاِنهيار الاِقتصادي والاِجتماعي.. وأصبحت البلاد على حافّة الإفلاس.. وغرقت في ديون خياليّة.. منها ديون بمبلغ 93 مليار دولار كاملة لصندوق النّقد الدّولي.. مع نسبة نموّ في حدود 0%.. وفقر مدقع للأغلبيّة السّاحقة من عامّة الشّعب.. تقابله نخبة محدودة العدد لكن فاحشة الثّراء..!

إلى أن وصل إلى الحكم الرّئيس “لولا داسيلفا”.. الّذي جاء من عائلة فقيرة جدّا.. واِبتدأ حياته ماسحا للأحذية.. وكان مناضلا ضدّ الحكم العسكري..
كانت للرّئيس البرازيلي الجديد القادم من عامّة الشّعب.. نظرة مخالفة تماما للسّياسة الاِقتصاديّة المعتمدة في البرازيل طوال الثّلاثين سنة السّابقة..
فقد رأى بأنّ البرازيل الغارقة في الفقر.. لم تكن تنقصها لا الموارد ولا الأموال.. ولكن كانت تنقصها السّياسة الحكيمة والنّظرة السّليمة..
وفكّر بأنّ طاقة جميع الحكومات السّابقة كانت توجّه باِستمرار إلى الأثرياء.. معتقدة بأنّهم قاطرة الاِقتصاد في البلاد..
لكنّ “داسيلفا” رأى خلافا لذلك بأنّ الحلّ ليس لدى النّخبة الثريّة من كبار المستثمرين.. وإنّما الحلّ يكمن في الـ95 مليون يد عاملة الّتي هي القوّة الاِقتصايّة الحقيقيّة..!!
وفكّر بأنّه إذا أمكن النّهوض بالفقراء.. فسينهضون هم باِقتصاد البلاد..!!
اِعتمد الرّئيس البرازيلي الجديد “داسيلفا” على برنامج اِقتصاديّ واِجتماعيّ مبتكر يركّز على النّهوض بملايين البرازيليّين في قاعدة الهرم الاِقتصادي.. وذلك بتوفير الدّعم الحكومي والمالي واللّوجيستي والتّقني لهم..

كان من جملة تلك البرامج الاِقتصاديّة الجديدة ما سميّ “معاش الأسرة الفقيرة”..
وهو برنامج يمنح الأسر الأكثر فقرا رواتب شهريّة مقابل تعليم أطفالهم.. وذلك لمقاومة الأميّة والجهل والاِنقطاع عن التّعليم.. بتشجيع الأسر ماليّا على ضمان تعليم أبنائهم..
وبدأ برنامج جديد وطموح للتّدريب المهني.. فأنشأت الحكومة المدارس المهنيّة وجامعات التّطوير التّقني.. في كلّ أنحاء البلاد.. من أجل نشر المهارات التّقنيّة والحرفيّة (“صنعة”) لدى ملايين المنقطعين عن التّعليم.. أو لدى المتعلّمين الّذين لا يرغبون في مواصلة تعليمهم النّظري أو في الجامعات.. وكذلك للاِستجابة للطّلبات الفعليّة لسوق الشّغل الّذي يحتاج إلى المهارات اليدويّة المحترفة والعالية أكثر من الشّهائد الجامعيّة..

النّتيجة أنّ هذا النّظام الذكيّ وفّر أكثر من عشرين مليون فرصة عمل جديدة خلال سنوات قليلة فقط.. ليُدْخِلَ ملايين الفقراء البرازيليّين إلى سوق العمل لأوّل مرّة.. بما يعني إعالة عشرات ملايين الأسر.. وتوفير مورد رزق قارّ لها..
غطّت تلك الفوائد الاِجتماعيّة والاِقتصاديّة حوالي 46 مليون شخص.. أي ما يعادل ربع سكّان البرازيل..
لم تكلّف تلك البرامج الواسعة الّتي مسّت قاعدة الهرم الاِقتصادي إلاّ 30 مليار دولار سنويّا.. وهي أقلّ من كلفة دعم كبار المستثمرين في قمّة الهرم الاِقتصادي..!
لكنّ نتائجها على العكس تماما كانت مبهرة جدّا.. وتحسّنت القوّة الشّرائيّة للفقراء.. فاِزداد الطّلب آليّا على السّلع.. وتحرّكت بذلك عجلة الاِقتصاد بسرعة هائلة لتلبية الحاجيات المتزايدة للسّوق.. بعد أن اِكتسب ملايين المواطنون ثروات صغيرة.. لكنّها واسعة جدّا بالنّظر إلى عدد المنتفعين بها..

في تونس.. فإنّ الحكومات.. قبل وبعد الثّورة.. منحت لكبار رجال الأعمال والكيانات الاِقتصاديّة الكبرى مليارات الدّينارات في شكل دعم مباشر وغير مباشر.. منها المساعدات العينيّة والمنح والهبات الماليّة والإعفاءات من الضّرائب ومن مساهمات الصّناديق الاِجتماعيّة.. عدا عن القروض البنكيّة والتّسهيلات الماليّة والإعفاءات من فوائض الدّيون ونحو ذلك..
يكفي مثلا أن تعرف بأنّه في قطاع واحد.. فإنّ مليارات الدّينارات ذهبت كدعم لأصحاب الفنادق السّياحيّة من عام 1990 إلى اليوم.. منها مئات ملايين الدّينارات (مئات المليارات من الملّيمات) اِنتفع بها المستثمرون في القطاع السّياحي بطريقة مباشرة وغير مباشرة طوال سنوات ما بعد الثّورة..!
ولو أنّ جميع تلك الأموال الطّائلة الّتي ذهبت للكيانات الاِقتصاديّة والماليّة الكبرى.. خصّصت على العكس لدعم ملايين المواطنين التّونسيّين العاديّين بكلّ الطّرق وفي كلّ المجالات.. لكان أثر ذلك في خلق الثّروات وفي التّشغيل وفي تحسين وتطوير الحركة الاِقتصاديّة أفضل بكثير.. ولحقّق طفرة اِقتصاديّة وماليّة واِجتماعيّة هائلة بالبلاد..!

المثال الثّاني.. هو الفيتنام..
الجميع يقترن لديه اِسم الفيتنام بالحرب الأمريكيّة عليها..
عموما عاشت الفيتنام وسط الحروب لعشرات السّنوات.. منها حروب أهليّة طاحنة.. وحروب مع جيرانها كالصّين وكمبوديا.. وحروب مع القوّات الأمريكيّة الّتي نزلت بجيش قوامه نصف مليون جندي.. وأحرقت الأخضر واليابس في الفيتنام.. قبل أن تنسحب منهزمة سنة 1974..
مات في حروب الفيتنام أكثر من 1.2 مليون مواطن.. عدا ملايين الجرحى والمشوّهين والمعوّقين.. وخلّفت دمارا هائلا سحق عشرات المدن والقرى..!!
كانت نتائج الحرب كارثيّة على الشّعب وعلى الاِقتصاد.. وعاشت البلاد فقرا مدقعا وصل سنة 1986 إلى حدّ المجاعة..!

عام 1988 جاء إلى فيتنام قائد جديد هو “فان لين”.. وكانت مهمّته في النّهوض بدولة مدمّرة وفقيرة وغارقة في الجهل ومنهكة ومفلسة وجائعة.. شبه مستحيلة..!
لكنّ “فان لين” كانت له نظرة مختلفة.. وبدأ بوضع حزمة الإصلاحات الاِقتصاديّة المعروفة باِسم “دوي موي” (Doi Moi).. وتقوم في أحد أركانها الأساسيّة على إصلاح قطاع الزّراعة..!
منح برنامج الإصلاح الجديد كلّ أسرة فيتناميّة ثلاثة هكتارات من الأرض الفلاحيّة.. ومنح لهم حريّة زراعتها بما تشاء.. بشرط واحد فقط.. وهو ضرورة خدمة الأرض وزراعتها وتوفير إنتاج فلاحي منها.. وإلاّ اِسترجعت الدّولة قطعة الأرض من صاحبها..!
في سنة 1988 تمّ إلغاء نظام الأراضي الجماعيّة الّتي كانت على ملك الدّولة باِعتبار النّظام الشّيوعي الّذي كان سائدا..
عوض أن تحتكر الدّولة أو قلّة من كبار مالكي الأراضي والمستثمرين في مجال الفلاحة الاِمتيازات في المجال الفلاحي.. تمّ على العكس من ذلك توزيع الأراضي الفلاحيّة على نطاق واسع للملايين من مواطني فيتنام.. مع برنامج حكومي ناجع في تكوين ودعم الفلاّحين ومساعدتهم على خدمة أراضيهم.. بما حقّق طفرة هائلة في الإنتاج الفلاحي بعد اِنهيار كامل أدّى إلى مجاعة سنة 1986.. إذ أصبحت فيتنام بعد ثلاث سنوات فقط في عام 1989 ثالث مصدّر للأرزّ في العالم..!

في تونس.. فإنّ الدولة نفسها تملك مساحات شاسعة من الأراضي الفلاحيّة غير المستغلّة.. وبعضها غير مستغلّ ولا ينتج شيئا.. أو تملك الدّولة الكثير من الأراضي المستغلّة عبر شركات فلاحيّة عموميّة وشبه عموميّة لا تحقّق إنتاجا أو أرباحا تذكر.. وكان يمكن منحها لمئات الآلاف من الشّباب العاطل عن العمل خاصّة في المناطق الدّاخليّة ذات الأراضي الخصبة جدّا..!!
كما تملك الدّولة في تونس ضيعات فلاحيّة تبلغ مساحة بعضها مئات الهكتارات.. وهي تقوم بتأجيرها لمستثمرين فلاحيّين كبار.. أو رجال أعمال وشركات.. بأسعار تفاضليّة جدّا لا تعادل قيمتها السوقيّة على الإطلاق.. وتقدّم لهم أيضا مساعدات وإعفاءات ضريبيّة واِمتيازات جبائيّة.. ممّا يزيد من أرباحهم الخياليّة.. وسط ولايات ومناطق تعيش فقرا مدقعا وتهميشا بالغا ويغرق أبناءها في نسب بطالة قياسيّة..!

قلب هرم الاِقتصاد في تونس.. لا يحمل أيّ نظرة اِشتراكيّة أو شيوعيّة.. باِعتباره غير موجّه ضدّ المستثمرين ورجال الأعمال.. لكنّه فقط يعتمد مقاربة موضوعيّة وعقلانيّة.. تنهي “تدليل” كبار المستثمرين.. وذلك بتحويل الدّعم الحكومي والعمومي المخصّص لهم على أنّهم رافعة الاِقتصاد.. إلى دعم لفائدة الفئات الشّعبيّة الواسعة في قاعدة الهرم الاِقتصادي.. ليتحوّلوا إلى شبكة أعمدة مكثّفة للنّهوض بالاِقتصاد الوطني.. لأنّ القاعدة دائما أكبر من قمّة الهرم.. وأكثر وزنا بكثير..!