شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | دموع تسأل…دموع تجيب

دموع تسأل…دموع تجيب

image_pdfimage_print

images (3)

محمد الصالح السعدي*

محمد الصالح السعدي*

وأنا أتابع من أمام شاشة التلفزيون في ذهول ومرارة جلسات الاستماع لشهادات ضحايا التعذيب ليلتي 17 و18 نوفمبر 2016، سمعت ويا لهول ما سمعت، سمعت من خلال دموعي دموعا تسأل، وسمعت دموعا تجيب، سمعت دموع الجميع تسأل الجميع، ودموع الجميع تجيب الجميع…سمعت دموعا تسأل في صمت ناطق: بأي ذنب أذرفت هذه الدّموع؟ وبأي ذنب أجهشت هذه الحناجر بالبكاء؟ بأي ذنب قتل نبيل وفيصل والشمّاخي و و و؟ وبأي ذنب عذب من عذب وشرد من شرد وبترت ساق من بتر؟ وبأي ذنب اغتصب من اغتصب من الرجال ومن النساء؟ وبأي ذنب قهر من قهر؟ وأهين من أهين؟ وبأي ذنب شوي في وضع الدجاجة من شوي؟…ومن الذي تجرأ على الإنسانية وارتكب في حقها هذه الجرائم المخزية؟ هل هو إنسان أم حيوان؟ هل ما تزال رجلاه تحملانه ويداه تتبعانه؟ هل ما يزال قادرا على النظر في عيون الناس، والحديث معهم؟…ونحن ماذا كانت مسؤوليتنا في كل هذا؟ هل فعلنا شيئا لتغيير هذا المنكر….؟

   سمعت دموعا تجيب بصوت تخنقه عبارات الاعتذار: ذنبكم أيها الأحرار أنكم قلتم للطاغية ما كنا نود أن نقول له، قلتم لا للظلم، لا للطغيان، لا لاغتصاب الحريات، لا للفساد، لا للاستبداد، لا لتزيف التاريخ، لا لتزييف إرادة الشعب …ذنبكم أيها الكرماء أنكم غنيتم للحرية يوم كان الغناء لها يعتبر من الكبائر…ذنبكم أنكم حلمتم بغد مشرق لنا ولكم، لأولادنا وأولادكم، لأحفادنا لأحفادكم يوم كان الحلم يعتبر مؤامرة تحاك ضد النظام،… ذنبكم أنكم رقصتم في الشوارع المظلمة والحقول الجرداء والتلال المحروقة على إيقاعات الكرامة والحرية والانعتاق والعدل والإحسان…ذنبكم أنكم كنتم ، وأنتم مقيدون بالأغلال إلى الأعناق تتحدون بدمائكم المتناثرة على كل جدران المخافر ومكاتب التحقيق وزنزانات السجون المجهولة، تتحدون الباحث والجلاد والسجان والقاضي القزم ،…ذنبكم أنكم دخلتم المعتقلات مناضلين رغم نكران القانعين، وعشتم فيها مكرمين رغم إهانة السجانين، وخرجتم منها شامخين رغم حملات المشوهين المأجورين، وها أنتم تجلسون الليلة بيننا  تعلموننا قواعد الطهارة مما لحقنا من نجاسة المؤرخين السفهاء…

  سمعت دموعا تخاطب الضحايا الأبطال متقززة من الجلادين الذين أجرموا في حق الإنسانية : انظروا يا ساداتنا إلى جلاديكم الآن، ها هم يقفون أمام المرآة باحثين عن بقايا ملامح البشرية لديهم فلا يضفرون بشيء منها، وها هم يدخلون على أفراد عائلاتهم يناشدونهم عدم تصديق ما سمعوا منكم فيشيحون عنهم بوجوههم الخجولة، انظروهم وهم يتسللون في تردد إلى المقاهي التي اعتادوا ارتيادها ويقتربون من رفاقهم الذين تعودوا لعب الورق معهم فينكرونهم ويتجاهلون وجودهم، فيتوجهون إلى نادل المقهي يطلبون شايا فلا يحفل بطلبهم ويتناساهم زمنا طويلا حتى ينصرفوا  منكسرين، بل مكسوري الخاطر والروح، انظروا إليهم كيف يهيمون على وجوههم لا يدرون ماذا يفعلون ولا إلى أين يذهبون، اسمعوا إليهم وهم يتلفظون بكلام غير ذي معنى، ويهيمون على وجوههم كأنهم سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد…

  سمعت  كذلك دموع كل التونسيين تسائل كل التونسيين: الآن وقد فشلنا كلنا في إخفاء دمارنا الداخلي وحبس دموعنا المكبوتة منذ ستين سنة، الآن وقد فاضت أعيننا بالدموع الحرّى وأطلقنا من حناجرنا المخنوقة زفرات الحزن الحارق، وتفطرت أكبادنا إلى حد العصر، الآن ونحن نجاول بما يفوق قدراتنا أن نظهر مواساتنا للضحايا  وتعاطفنا معهم، ونجتهد ببعض تبسّماتنا المبللة بدموعنا المنهمرة على خدودنا رغم التجفيف المتواصل أن نخفف عنهم الحزن ونعيد إليهم  الأمل فنكتشف أنهم أقوى منا وأننا أحوج منهم إلى عبارات المواساة ومبررات التخفيف من جسامة الجرم،… الآن وقد استمعنا إلى الحقائق من أفواه صناع التاريخ، ضحايا القتل والتعذيب والاغتصاب والتنكيل والملاحقات الأمنية، من أفواه والثكالى والأرامل والمصابين في أبدانهم أو في نفوسهم وعقولهم، الآن وقد اختفى الجلادون حيث ندري وحيث لا ندري، وحيث يحول بعض أيتام عهود الفساد والاستبداد والإجرام إرجاع التاريخ إلى الوراء، ماذا نحن فاعلون؟ هل نحن قادرون على الاعتذار لبلدنا وشعبنا وأمتنا على ما فرطنا في حقها جهلا أو خوفا أو تواطؤا؟ هل نحن عازمون –كما فعل أولو العزم ممن ضحوا بحياتهم من أجدادنا من أجل تحرير البلد من الاستعمال المباشر البغيض-على خوض معارك تثبيت الحرية والكرامة والعدل لكل التونسيين دون استثناء؟ هل نحن قادرون على تأمين مستقبل آمن لأبنائنا وأحفادنا ، مستقبل لا خوف فيهم من عودة الظلم والتعذيب وانتهاك الحرمات، مستقبل تسود فيه دولة القانون والمؤسسات مكان دولة الأحزاب المتعصبة والزعامات الزائفة؟

  وحين ظلت أصوات الدموع تسأل وتجيب بعضها البعض، برزت دمعة عملاقة تقف بشموخ كجبل الشعانبي، فيعم القاعة صمت رهيب، وتشخص كل الأبصار إلى الدمعة الهرم في خوف وأمل تنتظر منها القول الفصل، طال الصمت ولكن الانتظار لم يضجر الحاضرين رغم تواصله إلى أجل غير معلوم حتى رأيت الدمعة العملاقة تتحول إلى بخار أبيض خفيف لطيف يتصاعد إلى الفضاء في تناسق موسيقي يطرب القلب وينعش الروح،يتصاعد على إيقاع إنشاد ملائكي تتصاعد أصواته تردد في لحن سمفوني يتوق معانقة اللامتناهي يغني المقطع الأخيرة للأنشودة “لا ظلم بعد اليوم، لا تعذيب بعد اليوم، لا دموع بعد اليوم”

*محمد الصالح السعدي؛ متفقّد مدارس ابتدائيّة متقاعد ورئيس الجمعيّة التونسيّة للإنماء التربوي بالكاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*