شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | خاصّ بـ”لحظة بلحظة”/ أزمة التّعليم الثّانوي: معركة الحسم أم معركة كسر العظم؟

خاصّ بـ”لحظة بلحظة”/ أزمة التّعليم الثّانوي: معركة الحسم أم معركة كسر العظم؟

image_pdfimage_print

لننطلق من الوقائع:

– بلغت حالة التوتّر والصّراع بين نقابة الثّانوي والوزارة حدّا عاليا من التّصعيد ينذر بمخاطر لا يمكن توقّع تبعاتها خاصّة في هذا الظّرف بالذّات.

– دعت الجامعة العامّة للتّعليم الثّانوي وزارة التّربية للتّفاوض إلاّ أنّ الوزارة لم تستجب.

– قامت النّقابة بسلسلة من الاِحتجاجات، بدءا من الإضراب في أكثر من مناسبة وتجمهر الأساتذة أمام الوزارة في أكثر من مناسبة، ثمّ قرار حجب الأعداد وأخيرا تعليق الدّروس مع تعهّد في أكثر من مناسبة بإنجاح الاِمتحانات الوطنية.

– مقابل ذلك نجد أصواتا تؤثّم الأساتذة وتعتبر خطّتهم الاِحتجاجية غير مقبولة لأنّها تأخذ التّلاميذ رهينة وتتلاعب بمستقبلهم.

– تجييش للأولياء ودعوة لحجب الأجور ما لم يتمّ تقديم الأعداد للإدارة وذلك شرط الوزير للحوار.

لفهم مجموعة من الوقائع يجب تحليلها والكشف عن خلفيّاتها والحفر في تاريخ هذه الوقائع. ولننجح في ذلك لا بدّ من طرح الأسئلة؟ أي لا بدّ من ممارسة المساءلة والحفر في تاريخ الأحداث.

إنّ حالة الأزمة الّتي نشهدها بين الطّرفين اِنطلقت منذ عدّة أشهر ولم نرَ سعيا حقيقيا لحلّ الأزمة خاصّة من جهة الوزارة وهي السّلطة المسؤولة على سير المرفق العمومي ونجاح السّنة الدّراسية. علاوة على ذلك اِتّبعت النّقابة تدرّجا في الخطوات التّصعيدية إلاّ أنّ الوزارة تجاهلت رسائل الطّرف النّقابي وتجاهلت الأساتذة. وهذا الاِرتخاء في الاِستجابة لمبدأ التّفاوض قد يكشف عن سوء النيّة وعدم الجدّية لإيجاد الحلّ. وقد يفسّر ذلك بكون الوزارة قد اِطمأنّت لتعهّد النّقابة بإنجاح الاِمتحانات الوطنية ولكنّها غفلت عن حقيقة مفادها أنّ السّلبية والتّجاهل من جهتها سيدفعان بالأساتذة ونقابتهم إلى الأقصى وهم يشعرون بالتّجاهل وعدم الاِكتراث.

كما يمكن تفسير اِطمئنان الوزارة وتراخيها أيضا بنيّة اِعتماد اِستراتيجية تجييش أولياء التلّاميذ ضدّ الأساتذة ونقابتهم اِعتمادا على اِبتزاز عاطفة الآباء. وقد اِنخرط في هذه الخطّة العديد من الأولياء بدافع عاطفة الأبوّة والأمومة خوفا على مستقبل أبنائهم وكأنّ الأساتذة ليسوا بدورهم أولياء يخشون على مستقبل أبنائهم.

الهروب إلى الأمام سياسة دولة:

كلّ أزمة لا بدّ لها من حلّ و لا يوجد مشكل لا حلّ له. وفي السّياسة وفي التّفكير الاِستراتيجي إذا لم نسعى لوضع خطّة لحلّ مشكل فإنّ ظروف الأزمة المشكل ستدفع بقوّة تناقضاتها وموازين القوى إلى فرض الحلّ الأخير، وهو الحلّ الفاقد للمعقولية والفاقد للنّجاعة والعدالة. وهو الحلّ الّذي يفرضه ضغط الواقع أو ضغط القوى المتصارعة، حلّ السّاعات الأخيرة قبل الكارثة.

ويبدو أنّ الحالة الثّانية هي ميزة حكومات ما بعد الثّورة، حالة الحلّ بلا خطّة وهو حلّ الأمر الواقع، الحلّ الأخير قبل الكارثة حين تصبح سياسة الهروب إلى الأمام غير ممكنة.

وتبعا لذلك قد يكون من الجدير القول أنّ الحكومة ووزارة التّربية لا تريدان حلاّ للمشكل المتعلّق بأزمة التّعليم والأساتذة. وهذا مفهوم سواء من منظور سياسي أو من منظور واقعي.

فمن منظور واقعي تجد الحكومة نفسها تحت ضغط صندوق النّقد الدّولي وتعهّداتها بالضّغط على كتلة الأجور وضرورة تجميدها. ومن جهة أخرى هي تواجه عجزا في الموازنة المالية.

ولكن من منظور سياسي أعمق فهناك حرب خفيّة بين الحكومة والاِتّحاد العامّ التّونسي للشّغل، ويمثّل الصّراع الأخير أحد معاركه ويمثّل التّعليم أحد ميادين هذه المعركة.

الاِتّحاد واِختلاف التّقييمات:

قد يختلف التّونسيون حول أداء الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل بسبب تدخّله في الشّأن السّياسي. وقد يرى بعضهم أنّ هذه المنظّمة الشّغيلة تجاوزت حدود حقّها في الدّفاع عن منظوريها إلى محاولة فرض مواقفها في الشّأن الحكومي كفرض تغيير وزاري أو تغيير الحكومة برمّتها. وقد يرى آخرون عكس هذا الرّأي وأنّ الاِتّحاد كان دائما شريكا في وضع سياسات الدّولة وأكبر دليل على ذلك ما قام به أثناء أزمة التّأسيسي ودوره في الحوار الوطني للخروج من الأزمة وكذلك مشاركته في حوار قرطاج وإمضائه على وثيقته الأولى ومضيّه في الثّانية. وبالتّالي كان شريكا في إيجاد الحلول وإرساء التّوافق العامّ حول القضايا الكبرى.

ومن أسباب عدم رضا العديد من التّونسيين على الاِتّحاد هو حجم الإضرابات الّتي أقرّها ونظّمها في السّنوات الأخيرة والّتي كانت سببا من الأسباب المباشرة في تأزيم الوضع الاِقتصادي رغم مشروعيّة المطالب. فحجم الزّيادات في الأجور ساهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في زيادة التضخّم. وهو ما جعل الدّور الاِجتماعي للاِتّحاد ذا أثر اِقتصادي سيّء وخطير بل غير ذي جدوى اِجتماعية في العموم.

بالمقابل يرى المدافعون عن الاِتّحاد ودوره الاِجتماعي أنّ هذه المنظّمة هي القوّة الوحيدة القادرة على مواجهة سياسة الدّولة غير الاِجتماعية وغير العادلة والماضية في مشروع التّفويت في المؤسّسات العمومية وفرض نظام اِقتصادي نيوليبرالي يجعل الدّولة تتخلّى عن مسؤوليّتها الاِجتماعية كلّية بما سيكرّس خللا كبيرا في المجتمع سينجرّ عنه اِنزلاق فئات عديدة من الطّبقة الوسطى لتتدحرج إلى الطّبقة الدّنيا وبذلك ستزول الطّبقة الوسطى ويصبح المجتمع منقسما إلى طبقتين: أقلّية مهيمنة على الثّروة وأغلبية فقيرة بائسة…

حصان طرواده أم المارد الّذي تمرّد:

ومن جهة المنتقدين لدور الاِتّحاد فإنّهم يرون أنّ هذا الأخير وإن رفع شعار الدّفاع عن المؤسّسة العمومية وعن الطّبقة الوسطى والفقيرة فإنّه في الحقيقة يمثّل موقفا سياسيّا إيديولوجيا يتحصّن أصحابه بالاِتّحاد وقد جعلوا من هذه المنظّمة حصان طروادة أو مارد المصباح. فما عجزت، عن تحقيقه سياسيّا، أحزاب يساريّة بعضها متطرّف إيديولوجيّا فشلت في الاِنتخابات البرلمانية، ولم تستطع أن تكون مؤثّرة في رسم السّياسات بصفتها السّياسية الحزبية نظرا لعدم وجودها في البرلمان أو لضعف تمثيليّتها فيه جعلت من الاِتّحاد غطاء لها وناطقا باِسمها.

حصان طرواده:

تحاول هذه الأطراف السّياسية إذن، من خلال أبنائها وأنصارها وحلفائها النّافذين في الاِتّحاد، فرض مواقفها وأهوائها السّياسية على الحكومة. وكذلك تسعى إلى فرض سياسات محدّدة تتعارض مع توجّه الاِئتلاف الحاكم وما يراه ملائما لهذه المرحلة. ويعتقد هؤلاء أنّ الاِتّحاد يمارس تعسّفا وينازع الحكومة صلاحيّاتها بنوع من التحيّل والاِبتزاز. وفي هذا الإطار يتّهم الاِتّحاد باِستخدام نقابة الثّانوي بصفتها أقوى نقابة لليّ ذراع الحكومة وإرغامها على القبول بخياراته أو على الأقلّ التّنازل لصالحه بخصوص بعض الملفّات.

مارد المصباح الّذي تمرّد:

ولا ينظر إلى الاِتّحاد على أنّه حصان طرواده فقط بل هو بمثابة مارد المصباح الّذي تمرّد. فأصدقاء الاِتّحاد الّذين تحالفوا مع قياداته المتحزّبين المعادين للتّرويكا طيلة حكمها هؤلاء الّذين باركوا كلّ تحرّكاته وبرّروا آلاف الإضرابات الّتي تبنّاها رغم تأثيرها سلبا على الاِقتصاد الوطني ودافعوا عنها دون تحفّظ مهما كانت مطالب أصحابها، هؤلاء الّذين اِحتموا بالاِتّحاد ولبسوا جبّة الاِتّحاد وفوّضوا له أمرهم من أجل إنهاء حكم التّرويكا باِنتزاع سلطة التّأسيسي ونقلها من قبّته إلى قاعات مغلقة خارجه، ظنّوا أنّهم قد أمضوا على عقد شراكة مع الاِتّحاد بمقتضاه يتعهّد الاِتّحاد في الفصل الأوّل منه في المساهمة الفعلية والجادّة في إنهاء حكم التّرويكا، وفي الفصل الثّاني يتعهّد الاِتّحاد بعد خروج النّهضة من الحكم أن يتخلّى عن التدخّل في الشّأن السّياسي ويلتزم بدوره الأصلي المحدود.

لقد اِعتبروا الاِتّحاد بمثابة جنيّ المصباح يستدعى عند الحاجة للقيام بما لا يقدرون على إنجازه وبعد إتمام المهمّة الخارقة يؤمر بالعودة إلى المصباح لينام فيجيب. ولكن هيهات فمارد المصباح قد تمرّد وككلّ لاعب سياسيّ ما أن يضع قدميه على رقعة شطرنج السّياسة حتّى يعي بأناه المتميّز والممتلئ فيأبى أن يتخلّى عن سيادته وإرادته ويرفض أن يكون مجرّد بيدق. هذا ما حدث للاِتّحاد وكذلك الأمر بالنّسبة إلى رئيس الحكومة الّذي جيء به ليكون ظلاّ لرئيس الجمهورية فتمرّد.

لقد رفض الجيش أن يعود إلى ثكناته بعد أن اِختبر قدرته في خوض المعارك وتقرير المصير. ولكن ألا نكون نتيجة هذا المسار أمام حالة حرب كبرى بين ماردين قد تمرّدا لكلّ واحد منهما فريقه ولكلّ منهما أعداؤه؟ مع العلم أنّ عدوّ أيّ طرف منهما لا يعني بالضّرورة أنّه صديق للثّاني أو حليف له. فما هي تجلّيات هذه الحرب وآلياتها؟

معركة الحسم أم معركة كسر العظم:

يعتبر الأساتذة قضيّتهم قضية عادلة وهي كذلك لو نظرنا إليها من جهة المطالب. إلاّ أنّ الأساتذة ونقابتهم لا يخوضون معركة ضدّ وزير التّربية فقط. فالمعركة تشارك فيها أطراف أخرى أيضا. فالوزير هو جزء من الفريق الحكومي والوزارة جزء من إدارة الحكومة كما أنّ جامعة التّعليم الثّانوي هي أحد مكوّنات الاِتّحاد العام التّونسي للشّغل ولا نبالغ حينما نقول أنّها أقوى نقاباته بشهادة الواقع والتّاريخ، ونضالات هذه النّقابة ووقوفها ضدّ اِستبداد بن علي شاهد على ذلك… وهي النّقابة الّتي تمثّل أكبر قاعدة للمنخرطين، فهي قويّة كمّا ونوعا باِحتضانها لصانعي العقول والأجيال. فالأستاذ ككلّ معلّم ومربّ هو من ينير بنور العلم عقول الأطفال والشبّان ويزرع فيهم حبّ العلم وحبّ الوطن والإبداع. ولكن وللأسف نحن في زمن أصبح فيه الجحود سمة الإنسان.

يبدو أنّ الأساتذة ماضون صفّا واحدا في نضالهم من أجل تحقيق مطالبهم وحسم معركتهم دفاعا عن حقوقهم وعن حقّ التّونسيين في التّعليم العمومي وعن الحقّ في مؤسّسة عمومية تليق بهم، قادرة على توفير فرصة الترقّي الاِجتماعي. إلاّ أنّ هذا الإصرار لا يبدو في منأى عن التّصادم مع الحكومة وكلّ من لا يعجبه هذا الموقف. كما أنّ هذا التّصادم لا يمكن أن يكون في منأى عن أيّ توظيف سياسيّ ممكن.

معركة الكبار وكسر العظام:

إنّ الصّراع بين نقابة الثّانوي ووزير التّربية هو اِنعكاس لصراع أكبر أو هو اِختبار لهذا الصّراع المنتظر ونقصد بذلك الحرب الباردة بين حكومة الشّاهد والاِتّحاد.

إنّ الّذين يرفضون توجّهات الحكومة اللّيبرالية غير الاِجتماعية والخانعة والخاضعة لإملاءات صندوق النّقد الدّولي وغير الرّاضين على أداء الفريق الحكومي والمطالبين بتغييره سيحاولون اِستخدام نقابة الثّانوي كورقة ضغط قويّة من أجل إرغام الحكومة على النّزول عند رغبتهم. وهذا ما يتوقّعه فريق كبير من الأساتذة حيث لا يخفون توجّسهم وخشيتهم من أن يكونوا حطبا لمعركة بين الاِتّحاد والحكومة، وقد شهدوا شيئا من ذلك سابقا، حيث خاضت نقابة الثّانوي بقواعدها نضالات من أجل مطالب مشروعة تعرّضت بسببها إلى الشّيطنة والتّشويه ثمّ بعد أن تحصّلت على المكسب اِستغلّ الاِتّحاد ذلك الاِتّفاق وقام بتعميمه على بقيّة الموظّفين فأصبح الأساتذة منذ ذلك الوقت يشعرون بالحيف والظّلم وبأنّهم دائما وسيلة يستخدمها الاِتّحاد لأغراضه ولا يجنون إلاّ الشّتم والتّشويه.

أمّا عن الحكومة وكلّ من يرى في الاِتّحاد عائقا أمام تحقيق مشروعه الإصلاحي الكبير الّذي يقوم على الخوصصة والتّفويت في المؤسّسات العمومية والتّخفيف من أعباء الحكومة الاِجتماعية بالتخلّي عن منظومة الدّعم وكلّ مسؤوليّات دولة الرّعاية الاِجتماعية فإنّه لا حلّ أمامهم غير خوض المعركة الكبرى والنّهائية ضدّ الاِتّحاد والقضاء عليه أو تحجيمه على الأقلّ. وليس هذا محض خيال فأصوات عديدة نادت بذلك ودعت رئيس الحكومة ليكون حازما تجاه الاِنفلات النّقابي وفوضى الإضرابات متحجّجين بتجربة مهمّة في التّاريخ وهي تجربة مارغريت تاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية ثمانينات القرن الماضي لمدّة 11 سنة، الّتي خاضت حربا ضروسا ضدّ اِتّحاد العمّال وتحديدا نقابة عمّال مناجم الفحم الحجري الّذين أضربوا لمدّة سنة دون أن يقدروا على هزيمتها وإخضاعها لشروطهم فكانت هزيمتهم ونهايتهم. وهي المعركة الأهمّ من ضمن معارك عديدة جعلت أحد السّياسيين الرّوس يطلق عليها لقب المرأة الحديدية وهو اللّقب الّذي بقي مصاحبا لاِسمها ولم تشاركها فيه اِمرأة أخرى.

وإذا اِعتبرنا أنّ التوجّه العام لصندوق النّقد الدّولي والاِقتصاد المعولم نيوليبراليا فإنّ هذا التوجّه لن يتحقّق في تونس ما دام هناك اِتّحاد عمّال قويّ له حضور قويّ على السّاحة السّياسية. فهل هذا يعني أنّ حكومة النّداء والنّهضة ومن يساندهم مع خوض هذه المعركة ومدركون لضرورتها؟ وهل ينوون خوضها بجدّية؟ وهل يدركون مخاطرها؟ أم أنّها مغامرة خاصّة بشخص أو بأشخاص، قد يخوضها من لا يحسن حساب العواقب و من تحمله الأماني للعب أدوار البطولة الّتي تتجاوز حجمه وقدرته؟

إنّ طول مدّة أزمة التّعليم ونقابة الأساتذة تكشف عن عدم وجود نيّة حقيقية لحلّ المشكل بل ربّما هناك نيّة لتأبيد الأزمة وتعميقها لتكبر أكثر وتتوسّع لتصبح معركة أكبر يحسم فيها الأمر. وأخشى ما نخشاه أن تكون تلك هي مغامرة رئيس الحكومة الأخيرة. فرئيس الحكومة الشابّ قد عظمت طموحاته وأصبح يرى نفسه جديرا بما هو أهمّ وأحقّ النّدائيين بوراثة الباجي قايد السّبسي والأولى بكرسيّ قرطاج. وهذا الطّموح لن يكون مشروعا إلاّ إذا اِستطاع أن يبرهن على قدرته على خوض المعارك الكبرى وحسمها. وبما أنّ رئيس الحكومة قد فشل في إدارة الحكومة وفي حلّ الملفّات الّتي وضعها على طاولته وتعهّد بمعالجتها خاصّة تلك الّتي حدّدتها وثيقة قرطاج، فإنّ كسب معركة الاِتّحاد قد تكون هي الشّاهد على قوّة الشّاهد وأنّه الرّجل الحديدي.

وفق هذا التمشّي فإنّ معركة الحكومة ضدّ نقابة الثّانوي هي معركة مصيرية. فلو اِستطاع الشّاهد كسر شوكة هذه النّقابة وهي شوكة الاِتّحاد ستكون الهزيمة النّهائية لهذه المنظّمة والضّربة القاضية الّتي تقصم ظهرها ولن تقوم هذه المنظّمة بعدها أبدا ليعود الجيش المهزوم لثكناته ويتحرّر الفضاء الاِقتصادي والسّياسي من عساكر الاِتّحاد ويتمّ تحرير السّوق بالكامل ويفتح بابه على مصراعيه للشّركات الخاصّة ويبدأ عصر جديد، العصر النّيوليبرالي.

إنّ الاغراء بهذه المغامرة يزيد كلّ يوم خاصّة مع نجاح الشّاهد وأتباعه في اِعتماد آليات الشّيطنة والتّجييش ضدّ الأساتذة واِبتزاز الأولياء عاطفيّا واِستمالتهم ليكونوا صفّا واحدا مع الحكومة ضدّ الأساتذة ونقابتهم. إنّنا أمام مؤشّرات معركة كسر العظم.

من جهة أخرى نرى مغامرين من الضّفة الأخرى يحاولون السّطو على نضالات الأساتذة لخوض معركة كسر عظم حاسمة ليس فقط ضدّ الحكومة وإنّما ضدّ المشروع الدّيمقراطي برمّته. هؤلاء يسعون بما أوتوا من جهد للاِنقلاب على المسار الدّيمقراطي في خطواته التّأسيسية الأخيرة، مرحلة إرساء الحكم المحلّي الّتي نشهد هذه الأيّام حملاتها الاِنتخابية. فالّذين لا يرغبون في إنجاح الاِنتخابات البلدية وإرساء الحكم المحلّي سيسعون جاهدين لاِستثمار أيّ أزمة سياسية أو اِجتماعية لإرباك الوضع العامّ بما يجعل إنجاز الاِنتخابات أمرا غير ممكن. وحينما نتذكّر ما قاله السيّد عبيد البريكي أحد القيادات السّابقين للاِتّحاد العام التّونسي للشّغل ووزير الوظيفة العمومية والحوكمة السّابق في حكومة الشّاهد ومؤسّس حزب حركة تونس إلى الأمام بأنّ الاِنتخابات البلدية لن تتمّ فإنّ التخوّفات من أيّ اِستثمار لأزمة العلاقة بين نقابة التّعليم الثّانوي والوزارة أمر مشروع ومعقول جدّا.

 ضرورة الوعي بالمخاطر والحلول:

على الحكومة أن تدرك مخاطر العناد والتصلّب ورفض الحوار. وعلى الشّاهد أن يتجنّب المغامرة. وعلى وزيره أن يكون أكثر حكمة في مواجهة هذه الأزمة فلا حلّ إلاّ بالحوار بين الممثّلين الشّرعيين وعلى طاولة الحوار وليس في وسائل الإعلام أو في الشّارع.

وفي الأخير يجب أن لا تختزل أزمة الأساتذة في مجموعة من المطالب. إنّها تعبير عن أزمة أعمق تتعلّق بمعايير العدالة. فالخلل في سلّم الأجور واضح وجليّ وله تهديدات كبرى للطّبقة الوسطى وللسّلم الأهلي. ومن مظاهر فشلنا في المستوى الاِقتصادي الاِجتماعي بعد الثّورة أنّنا لم نجعل من موضوع العدالة ومعاييرها موضوعا للنّقاش العامّ، واِنحرفنا عن كلّ القضايا الأساسية إلى القضايا الجانبية الإيديولوجية الّتي اِستغرقتنا وفرّقتنا شيعا. واليوم أصبحنا، إضافة للفقر والحيف، نعاني من الأنانية والكراهية والتّباغض. فكلّ قطاع يدافع عن نفسه ويطالب بمكاسب أحيانا ليست مشروعة دستوريا، ويستخدم من أجل ذلك كلّ الوسائل الاِحتجاجية ممّا يضرّ بالآخرين. فأصبحت الإضرابات مظهرا من مظاهر حرب الكلّ ضدّ الكلّ. فإذا أضرب قطاع لاقى الشّتم من الآخرين، وإذا تحصّل على مكاسب حسده الآخرون عليها، وإذا  طالبوا بجزء ممّا ناله- القطاع الأوّل- وأضربوا أدان المنتمون لهذا القطاع المضربين وكأنّهم فعلوا شيئا آخر غير ما فعله هو. إنّها أنانيّة شعب ضيّع كلّ ثوابته الأخلاقية والسّياسية والنّقابية. ومع ذلك يبقى المشروع الدّيمقراطي قائما والنّجاح حليفنا بإذن الله.

عاشت نضالات الشّعب التّونسي من أجل الحرّية و الكرامة.

(هيئة التّحرير)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: