شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | حول إعلان المكتب التّنفيذي لحركة النّهضة عن دعم مرشّح حركة نداء تونس في الاِنتخابات التّشريعية الجزئية بألمانيا

حول إعلان المكتب التّنفيذي لحركة النّهضة عن دعم مرشّح حركة نداء تونس في الاِنتخابات التّشريعية الجزئية بألمانيا

image_pdfimage_print

الغنوشي

الأستاذ مختار صادق

الأستاذ مختار صادق

إنّه لمن نافلة القول أنّ لكلّ حزب الحقّ في عقد تحالفاته وعلاقاته كما يشاء بما تقتضيه مصلحة البلاد والحزب كما يراها. كذلك فإنّ لكلّ مواطن حقّ النّقد والتّصويب بعيدا عن لغة الشّتم والتّخوين من جهة وبعيدا عن التّحقير والاِستخفاف من طرف أتباع ذلك الحزب الّذين قد يضيقون ذرعا بالرّأي المخالف من جهة أخرى. كذلك فإنّ بعض المعطيات قد لا تكون متاحة للجميع وعادة ما تكون هذه من التّبريرات الشّائعة للمواقف والبيانات “الصّادمة” للأحزاب كمثل بيان المكتب التّنفيذي الأخير موضوع الحديث.

بداية دعونا نذكّر الجميع أنّ هذا التّعليق ليس من باب المزايدة أو ركوب العنتريات بل نفهم ونتفهّم إكراهات السّياسة ودروس التّاريخ ومكر الواقع المتحرّك في تونس والمنطقة كلّها. كذلك فمن المعلوم أنّ السّياسة ليست علما صحيحا فكلّ موقف سياسي مهما كان له سلبيّات وإيجابيات، والسّياسي المحنّك هو من يتّخذ مواقف إيجابياتها أكثر من سلبياتها ويجبر خصومه على اِتّخاذ مواقف سلبيّاتها أكثر من إيجابيّاتها. أمّا المواقف السّياسية الخاطئة فهي مثل الخمر فيها إثم ومنافع للنّاس ولكنّ إثمها أكبر من نفعها! أرى أنّ موقف حركة النّهضة الأخير يندرج ضمن أحكام شرب الخمر المسموح به فقط عند الضّرورة تحت القاعدة الفقهية المعروفة “الضّرورات تبيح المحظورات”. ولكنّ الظّاهر أنّ إخوتنا في النّهضة اِستأنسوا شرب الخمر السّياسي ونسوا أو تناسوا الشّطر الثّاني من القاعدة الفقهية القائل “بأنّ ما أبيح للضّرورة يقدّر بمقدارها”!

لن أناقش النّاحية الأخلاقية للموقف الأخير فالسّياسة مصالح قبل كلّ شئ. كذلك لن أتعرّض للمساوئ الصّغرى من مثل الدّخول في لعبة شقوق النّداء والاِنحياز لشقّ (شقّ حافظ) دون آخر، كما أنّي لن أدخل في تفاصيل المبرّرات بعنوانينها المختلفة من مثل مخطّطات اليسار الاِستئصالي وعرّابي الثّورة المضادّة فقد يكون وراء الأكمة ما وراءها، ولكنّي أرى أنّ هذا البيان والمسار الّذي سيترتّب عنه سواء كان ذلك اِختيارا أو اِضطرارا سوف تكون له تداعيّات تضرّ بمستقبل الحركة على المدى البعيد.

والخطر الأكبر حسب رأيي هو أن تفقد الحركة طابعها وهويّتها لتصبح في أحسن الحالات شريكا من الدّرجة الثّانية وحزبا كبقيّة الأحزاب الزّبونية الأخرى غير قادرة على الرّيادة من جديد. مناضلو الجيل القديم الّذين عاشوا فترة التّأسيس والتّنكيل تبقى الحركة دائما بصورتها النّقية في وجدانهم يلتمسون لها الأعذار ويتحمّلون من أجلها مرّ الكلام وعلقمه، ولكن ما الّذي يغري شابّا لم يطّلع على عورات النّضال زمن الرّحي الممنهج ليلتحق بحزب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؟! فالّذي يبحث عن عنصر التديّن تكون الجماعات الدّينية مقصده، والّذي يبحث عن عنصر الحداثة تكون الجماعات اليسارية مقصده، أمّا الّذي يبحث عنهما الإثنين معا فلن تكون النّهضة مقصده، فهي قد فصلت الدّين عن السّياسة وتريد الاِبتعاد أميالا عن “شبهة” الحزب الدّيني، كما أنّ تاريخها وممارساتها لا تجعلها أقرب حزب للحداثة.

بعض المستسهلين لمسار التّنازل لحزب أكثر روّاده من الّذين تلطّخت أيديهم بالتّعذيب والتعدّي على حرمات النّاس وأموالهم وأعراضهم في عهد المخلوع وعهد من قبله دون عقاب ودون أن يقدّموا حتّى مجرّد الاِعتذار إنّما يدفعون لإعادة التّجارب المريرة من جديد. الوضع الاِقتصادي الرثّ للبلاد وأجواء القلاقل الاِجتماعية في الأفق تُحتِّم على النّدائيين التّوافق قبل أن يستتبّ لهم الأمر ولِمَ لا إعادة سيناريو المخلوع الّذي تمسكن بعد الاِنقلاب حتّى تمكّن من البلاد ونال ثقة النّهضة ثمّ كشّر عن أنيابه بعد ذلك… وكلّنا نعرف بقيّة سيناريو المأساة. الفرق هذه المرّة أنّ النّهضة لن تكون لها تلك الطّهورية النّضالية ولن يكون ظهرها محميّا بعمقها الشّعبي بل أنّ قائمة الشّامتين ستتكاثر لتعرض خدماتها الاِستئصالية بلا مقابل.

بعض المريدين لسياسة “التّكتيك” يحتجّون بمسار حزب العدالة والتّنمية التّركي (المثل الأعلى سياسيّا للنّهضة) الّذي بدأ بالتّصالح مع مؤسّسات الدّولة العلمانية ثمّ تدرّج في تطبيق أجندته، لكن غاب عنهم أنّ حزب أردوغان لم يصل إلى أعلى المراتب وإعلاء تركيا معه بشراكة منقوصة مع الحزب الحاكم هناك، بل صوّت له النّاس كحزب قويّ يطرح نفسه بديلا للمنظومة القائمة ويبشّر بمستقبل أفضل لتركيا. لذلك كانت له جاذبيّة سياسية وبريق اِنتخابي لامع عند الشّباب والمتعطّشين لدور ديني أكبر في البلاد.
هل هذا يعني القطيعة مع النّداء وإدخال البلاد في دوّامة تفتح على المجهول وترك السّاحة للاِستئصاليين؟ طبعا لا. ولكن ما “أبيح للضّرورة السّياسية يقدّر بمقدارها” والشّعب ذكيّ ويفهم فلا تنازلات مجانيّة ولا “شراكة اِستراتيجية” مع شقّ من الشّقوق قبل أن يميز الخبيث من الطيّب ويعاقب القتلة والمجرمين لا أن نشرّع القوانين لحماية السرّاق ونقطع شعرة معاوية مع “الثّورة” وما بشّرت به.

قديما قيل من خالط الفحّام نال سواده، وكذلك من خالط النّداء نال شقوقه! فالخوف أن تتحوّل ثقافة الشّقوق النّدائية إلى النّهضة الّتي لم يعد حزبا عقائديّا صلبا يصعب اِختراقه بل حزبا عاديّا كبقيّة الأحزاب عرضة للاِنشقاقات والتشقّقات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*