أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / حكومة التّكنوقراط، ماذا بعد؟

حكومة التّكنوقراط، ماذا بعد؟

Spread the love

الأستاذ خليد بلحاج

هل ستكون خيار الفاشلين في الحكومة من أجل التخفّف من أعباء السّلطة التّنفيذية مع المحافظة على مواقعهم في الحكم بالاِكتفاء بالسّلطة التّشريعيّة أم هي خيار الاِنقلابيين من أجل إضعاف السّلطة والاِنقضاض عليها فيما بعد؟
لم يعد الحديث عن الاِنقلاب في تونس فانتازيا سياسيّة من اِبتكار الثّورجيين دافعها النّفسي فوبيا الاِنقلاب وإن كانت فانتازيا سياسية بالنّسبة إلى المغامرين من أعداء الثّورة في الدّاخل والخارج. فالخوض في هذا الموضوع منطلقه اِستشراف لمستقبل ممكن اِعتمادا على اِستقراء الواقع وتطوّراته. فلا أحد من المؤمنين بالمشروع الدّيمقراطي يتمنّى ذلك فليس إذن من ضرورة لمناقشة فرضيّة الاِنقلاب من عدمه غير الاِشتغال على السّيناريوهات الممكنة.
قد يكون من الجدير طرح هذا السّؤال: هل يقبل النّدائيون باِنقلاب على الحكومة وعلى المسار الدّيمقراطي وهل ينخرطون فيه، خاصّة وأنّ منهم من أشار إلى خطورة اِحتماله؟
قد تكون الإجابة الأكثر معقوليّة هي: النّدائيون هم أبناء الدّكتاتورية وسليلو مدرسة الاِستبداد والدّولة التسلّطية ولا يمكن أن نتخيّلهم يوما يتقدّمون الصفّ الأوّل في معسكر الدّفاع عن الدّيمقراطية، وهم أكثر القوى السّياسية تبريرا لأيّ اِنقلاب ممكن على قيم الدّيمقراطية وسيكونون أقدر الأطراف السّياسية اِبتكارا للمسوّغات والمبرّرات لذلك الشرّ إن حدث- لا قدر الله- وسيسوّقون له على أنّه أكبر خير ونعمة من الله على الشّعب التّونسي. إنّهم لن يعارضوا أيّ اِنقلاب مهما خالف هواهم. ولو باغتهم فعل سياسي عنيف كهذا، ومهما أحدث فيهم من ألم ووجع- ولا أوجع من ضربة على وجه نائم توقظه من حلم السّلطة الجميل- فإنّهم سينتظرون الوقت المناسب ليعلنوا اِنضمامهم إلى الاِنقلابيين وأخذ موقعهم في السّلطة الجديدة.
في الوقت الحالي سيواصل نداء تونس عمله لينهي مهمّته في اِنتظار تشكّل البديل واِكتماله. فالجميع من أعداء الثّورة يشتغلون على إنتاج البديل ما عدى قوى الثّورة، وللأسف، هي تغطّ في نوم عميق ليس لها من خطّة سوى لعن الاِستبداد وعمّاله. أمّا عن البدائل الاِنقلابية فهي ثلاثة:
1. بديل يقوم على فكرة الرّجل القويّ وليس على فكرة الحزب القويّ. وهذا السّيناريو يكون بطله الرّجل الأمني. إنّ سيناريو الرّجل القويّ هو أفضل سيناريو بالنّسبة إلى الغرب الّذي لا يريد لنا الدّيمقراطية و ا يقبل بخروجنا من سجن الدّيكتاتورية والتّبعية. الرّجل القويّ هو ذاك الّذي كلّما اِرتكب جرائم أكثر بيّن أنّه هو الأقوى والأقدر ليسيطر والّذي يعوّل عليه. يواجه في العلن بالإدانة من الدّول الّتي تتزعّم الدّفاع عن الدّيمقراطية في حين تباركه في السرّ وتدعّمه. هي تبني معه عقدا مضمونه “نحن لسنا ضدّ مغامرتك ولكن تحمّل مسؤوليّتك. إن نجحت وأصبحت أمرا واقعا بالنّسبة إلى شعبك رضينا بك وقلنا تلك إرادة الشّعب ولا دخل لنا فيها، أمّا إذا فشلت فلتتحمّل مسؤوليّتك”. إنّ هذه الدّيمقراطيات الزّائفة غير الإنسانية تمارس النّفاق وسياسة الكيل بمكيالين. هي في الواقع حريصة على عدم كشف صورتها السّياسية اللاّأخلاقية الحقيقية الفاسدة. (وآخر مثال على ذلك وإن لم يكن الوحيد هو اِنقلاب السّيسي في مصر الّذي جعل من جرائمه رسالته إلى القوى الاِستعمارية المهيمنة بكونه الرّجل القويّ الّذي يمكنهم الاِعتماد عليه).
2. أمّا السّيناريو الثّاني فهو سيناريو الحزب القويّ بشخصيّات من زمن بن علي ممّن تشرّبوا فلسفة الدّولة ولهم اِرتباطاتهم بأصحاب القرار الدّولي وتزكّيهم الولايات المتّحدة الأمريكية بالأساس. ويقود هذا المشروع سياسيّ يمكنه تسويق شخصيّته كشخصيّة ديمقراطية، فهو لم يعلن عداء للثّورة مع أنّه كان من أهمّ أبطال اِنقلاب 14 جانفي 2011 الّذي قام على فكرة التّضحية برأس النّظام من أجل إنقاذ النّظام برمّته وإيقاف المسار الثّوري، ويفترض أن يلقى قبولا من قيادة النّهضة الّتي ستسوّق له عند قواعدها والمتعاطفين معها على أنّه أهون الشرّ بالنّسبة إليهم.
3. وأخيرا سيناريو حزب التّكنوقراط وممثّلي الشّركات المتعدّدة الجنسيّات من القادمين من وراء البحار. هؤلاء هم السّياسيون الّذين صنعتهم الصّدفة. فهم لا يعرفون شيئا عن إدارة الدّولة بالرّغم من معرفتهم بتسيير الشّركات. فمنطق إدارة الشّركات يطغى على سياسة تدبيرهم لشؤون الدّولة وهم بذلك لا ينجزون من عمل سوى تدميرها وإغراقها في الأزمات والكوارث الاِجتماعية خاصّة ولا يحقّقون إلاّ أرقاما لا جدوى منها. وهم في الحقيقة يعملون لخدمة الشّركات المتعدّدة الجنسيات ويخضعون لوصاية الهيئات والصّناديق المالية الدّولية. لو حكم هؤلاء لفوّتوا في ما تبقّى من مؤسّسات الدّولة وثرواتها للأجنبي وقدّموها إليه كعكة هديّة تتقاسمها تلك القوى الّتي مازالت تعيش على حنين أيّام الاِستعمار والوصاية فيقسّمونها فيما بينهم ويلقون بفتاتها إلى الشّعب المسكين. وسيفرضون على الشّعب منوالا تنمويّا أقسى شرّا ممّا يعاني منه، منوالا نيوليبراليّا فاسدا متوحّشا.
والأهمّ من كلّ ما ذكر، هو ذلك الشّرط الّذي بدونه لن تكون تلك السّيناريوهات؛ هذا الشّرط الضّروري هو حكومة التّكنوقراط…
ومن أجل الوصول إلى حكومة التّكنوقراط كحلّ ضروري لا بدّ من خلق أزمة حكم عميقة وإن كانت هذه الأزمة قائمة فعلا فسيتمّ تعميقها وتوسيعها ثمّ الإقرار بفشل الشّاهد وعدم قدرته على إنجاز أيّ إصلاحات بما ينتهي إلى التّسليم بضرورة التخلّي عنه والدّعوة إلى حكومة تكنوقراط تتولّى مهمّة إنقاذ الدّولة بالاِشتغال على محاور أساسيّة محدّدة تتعلّق بالمالية العمومية والموازنات الكبرى ولن يكون للمحور الاِجتماعي أهمّية فيها. وستكون المهمّة الثّانية الموكلة لها هي الوصول بالبلاد إلى اِنتخابات 2019.
قد يكون من السّهل إقناع النّهضة بحكومة التّكنوقراط لأنّ ذلك لن يفقدها في الظّاهر الكثير مقارنة بالنّداء بل سيخفّف عنها حمل الحكم ويجعلها تتفرّغ لترتيب البيت الدّاخلي وتنطلق في الاِشتغال على برامجها الاِنتخابية. وستسوق قياداتها، في حال اِستدرجت لهذا الحلّ أو أكرهت عليه، أنّها خرجت من الحكومة ولم تغادر السّلطة بما أنّها تأخذ موقعا مهمّا في البرلمان ولها كلمتها الفصل…(سيناريو 2013…)
وبعد اِنطلاق حكومة التّكنوقراط ستأتي عمليّة خلق أزمات عميقة وقويّة لها أثر الزّلزال: أزمة حكم وأزمة اِجتماعية وخطر أمني إرهابي فيتحرّك الشّارع بطريقة تخرج عن السّيطرة ولن يكون من حلّ إلاّ الإجراءات الاِستثنائية لحفظ الأمن وسيتمّ خلق كلّ الظّروف المواتية ليعتقد الشّعب أنّ أمنه وخبزه أهمّ من الحرّية وأنّ الحرّية أصبحت شرّا وتهديدا لوجوده. فلا بدّ من تقييدها والحدّ منها حفاظا على ما تبقّى من الدّولة واِقتصادها. وقد حاولوا فعل ذلك أكثر من مرّة دون جدوى. وما تدمير الاِقتصاد الممنهج إلاّ وسيلة لإضعاف الدّولة وبالتّالي تفقير الشّعب حتّى يصبح لا خيار أمامه سوى التخلّي عن أحد المكسبين الأمن والخبز أو الحرّية.
وبهذا نصل إلى الفصل الأخير من الثّورة حيث يعلن الاِنقلاب على المسار والاِنتقال الدّيمقراطي ويتمّ إيقافه نهائيّا. ولا تستغربوا هذا التّحليل أو تستبعدوا النّتائج المنتظرة ولا تغرّنّكم شعارات المتشدّقين بالثّورة والدّيمقراطية. فالمتواطئون سيكونون كثيرين، كلّ أولئك الّذين لا أمل لهم في الفوز بالاِنتخابات القادمة، أولئك الّذين يرون أنّ النّهضة هي المستفيد الأوّل والأكبر من الدّيمقراطية، وأنّها ستحافظ على موقعها في الاِستحقاق الاِنتخابي القادم بل ربّما ستعود الأقوى.
إنّ الّذين باركوا اِنقلاب السّيسي سيباركون أيّ اِنقلاب مهما كانت كلفته ومهما كان عدد ضحاياه. إنّهم عمّال الاِستبداد وعبيده وأدواته وشركاؤه في جرائمه.
وفي الأخير أقول للّذين يستبعدون فكرة الاِنقلاب كمشروع ممكن- ونحن نستبعده كمشروع سينتصر-: إنّكم تستبعدون الاِنقلاب لأنّكم تتعاطون مع مفهوم الاِنقلاب بشكل سطحيّ، أي بالمعنى القديم المتداول كما تعوّدنا عليه قي القرن الماضي، اِنقلاب عسكري أو أمني (مع أنّنا شهدنا في تونس اِنقلابا طبّيا في 7 نوفمبر 1987). وعلى هذا الأساس فأيّ اِنقلاب ممكن سيكون من داخل منظومة الحكم وبأدوات سياسية وليس بقوّة السّلاح. وليس في ما ذكرت تبشيرا باِنقلاب وإنّما اِستقراء لواقع يتطوّر باِطّراد وبتسارع وحال البلاد كحال جسم يتهاوى في سقوط حرّ بتسارع خطير والفاعلون الأساسيون يتجاهلون خطورة الأمر وكأنّهم يئسوا من قدرتهم على الفعل وينتظرون تدخّلا إلهيّا. بالمقابل يشاهد أعداء الثّورة هذا السّقوط بمتعة واِستبشار ظنّا منهم أنّ ساعة اِستعادة السّلطة والثّأر قد اِقتربت.
إنّ جهلنا بالتحوّل الكبير في تاريخ الثّورات وفي مفهوم الثّورة جعلنا عاجزين عن فهم ثورتنا وحال دون أن نكون فاعلين فيها، عجزا أوعزته سابقا إلى غياب العقل الثّوري. فالعقل الثّوري هو من يدرك طبيعة البراديغم الجديد لجيل الثّورات الجديدة؛ ثورات عصر النّظام العالمي الجديد المفتوح أي ثورات ما بعد سقوط حائط برلين وسقوط الاِتّحاد السّوفياتي.
وكما قلت في نصّ سابق: “كلّ ما نحن فيه من شقاء أمر طبيعي. فتلك هي مخاطر غياب العقل الثّوري القادر على إنجاز الثّورة والقادر على الذّهاب بها إلى أبعد حدودها. غياب العقل الثّوري الّذي يبني للثّورة مرجعيّتها ويضع لها أهدافها واِستراتيجياتها ويرسم لها آفاقها فيرسّخها في العقل والرّوح والوجدان ويجعل الأمّة وحدة صمّاء.
غياب العقل الثّوري يجعل الحالة الثّورية حالة عاطفية وجدانية هشّة تشقّها كلّ القوى وتتلاعب بها. فتضعف الوحدة ويتفكّك الجسم حتّى تخور قواه ويشرف من شدّة الوهن على الفناء.
وها هي الدّيمقراطية النّاشئة تتحوّل من ديمقراطية عاطلة إلى ديمقراطية فاسدة وأخيرا إلى ديمقراطية عبثيّة.
تلك هي النّتيجة الحتمية حينما نسلّم مصيرنا للعابثين”.
إنّ الفعل السّياسي بشروط العقل الثّوري يكون ثوريّا بأدوات تحليله وتقديره للمخاطر واِستشرافه للمستقبل وبتحفّزه للقيادة والإنجاز متوهّجا بحلم الثّورة وحماسة الثوّار العقلاء. لا يكتفي بشعر الثّورة ولكن يخصّب خياله كما يخصّب الأورانيوم ليبتكر وينتج الطّاقة الحيوية المبدعة للحلول النّاجعة والقويّة والمؤسّسة لاِستراتيجيات الفعل الذكيّة المحصّنة (اِستراتيجيات دفاعيّة وهجومية) الّتي لن تقوى عليها أعتى قوى العالم معاداة لثورات الحرّية والتحرّر ومعاداة لسيادة الشّعوب واِستقلالها. إنّها القوّة الّتي تستلهم من روح الأمّة وثقافتها وطموحها وتطلّعات شعبها وحلم شبابها والوفاء لشهدائها. ولا أمل لنا إلاّ في الشّباب.
شباب تونس اِنهضوا فحضيرة الدّيمقراطية تحتاج إلى عقولكم وسواعدكم لنستأنف البناء.

الأستاذ. خليد بلحاج
نائب مؤسس
وباحث ماجستير في الفلسفة السّياسيّة