أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تونس حالة ديمقراطية عبثيّة وحالة عقل وضمير ثائرين يقاومان تراجيديا سياسية

تونس حالة ديمقراطية عبثيّة وحالة عقل وضمير ثائرين يقاومان تراجيديا سياسية

Spread the love

الأستاذ خليد بلحاج

تعصف بالواقع السّياسي التّونسي رياح اللاّمعقولية السّياسية. إنّه العبث الممهّد للتّراجيديا. واقع سريالي وأقبح أشكاله وألوانه ما ترسمه خطابات لا يمكن تحمّلها إلاّ إذا اِدّعينا قبولها والتّعاطي معها بروح الملهاة فلا طاقة لتحمّل المأساة.

اِسمعوا هذه المفارقة النّكتة. قبل سنوات بارك سياسيّون من أبناء وطننا اِنقلابا دمويّا في بلد شقيق، حيث قام اِنقلابي مجرم بهتك الأعراض وسفك الدّماء وسحل وأحرق ويتّم وشرّد وسجن وعذّب. ورغم كلّ هذه الفظاعات الّتي صنعها بارك هؤلاء جرائمه. ألا تعني مباركة جريمة ما عدم الاِعتراض عليها. أليس من يبارك فعلا ولا ينهى عنه دليل على اِستعداده لممارسته، بل ربّما فعله بكلّ فخر بقدر مباركته. أليس من يساند اِنقلابيا مجرما يقتل ويعذّب هو بالنّتيجة يتبنّى نهجه وسلوكه.
منذ أيّام خرج علينا نائب من النّوائب الّتي اُبتلي بها شعبنا على موجات إحدى الإذاعات ليعبّر عن رغبة قويّة وعاجلة وعن أمنية تملأ صدره وتسيطر على عقله، حيث ينتظر بفارغ الصّبر خبر اِنقلاب على نظامنا الدّيمقراطي النّاشئ المعمّد بدماء الشّهداء. أليس في هذا السّلوك تجاوز للقانون واِعتداء على الدّستور وعلى المؤسّسة البرلمانية المؤسّسة الأصلية الممثّلة لإرادة الشّعب ولسيادته. يردّ عليه نائب من المعارضة من المدافعين عن الثّورة ومكاسبها وعن دماء الشّهداء بقوّة وبشراسة، بخطاب وعيد لكلّ من تسوّل له نفسه التّفكير في محاولة الاِنقلاب وينذره بأشدّ العذاب من كلّ أبناء الشّعب وثورته.
يبدو، في نظرهم، أنّ هذا النّائب الأخير قد اِقترف جرما حينما دافع باِستماتة عن المكسب الدّيمقراطي وعن شرعيّة المؤسّسات وهو الّذي ضمنيّا قد دافع عن شرعيّة النّظام وحكومته رغم فساد سياستها وفقدانها للمشروعيّة. والشّيء الطّريف المعبّر عن مدى سريالية المشهد الّذي نعيشه أنّه لم يتصدّر أحد من أبناء الحزب الّذي يترأس الحكومة لإدانة هذه الدّعوة الصّريحة للاِنقلاب وللدّفاع عن شرعية منظومة الحكم الّتي ينتمي إليها وعن قداسة الدّيمقراطية. ويحوّل النّقاش عن المسار المنطقي أي الموضوع الأصلي ويتمّ الاِنحراف به إلى غاية أخرى. فعوض إدانة الدّعوة إلى الاِنقلاب وتجريمها ومعاقبة صاحبها يوجّه النّقاش في اِتّجاه إدانة النّائب المنتقد للدّعوة والمتصدّي لها باِتّهامه باِعتماد خطاب تحريضيّ عنيف فيه تهديد بالسّحل والقتل… وهو خطاب يكرّس الكراهية بين أبناء الشّعب. -ما أقواهم وما أنذلهم وما أقدرهم على المغالطة وما أغبى من يصدّقهم-
لنفهم هذه المفارقة: باركوا السّحل والقتل لما قام به اِنقلابي مجرم… أي باركوا أفعالا إجرامية ويعلنون إدانتهم لأقوال تهدّد من يحاول الاِنقلاب بالسّحل والقتل… أي تهدّد قوليّا من يفكّر في القيام بأكبر جريمة وهي الاِنقلاب على النّظام والشّرعية بالأفعال الّتي باركوها. إنّهم يباركون الفعل ويدينون القول. ربّما هي فلسفة جديدة للقانون وللعدالة وللدّيمقراطية.
لنطرح هذه الأسئلة علّها تساعدنا على الفهم: هل يعني ذلك أنّ هؤلاء يباركون السّحل والقتل إذا وقع لغيرهم من غير أبناء وطنهم ولا يقبلونه لمواطنيهم؟ أم أنّهم يقبلونه فقط إذا وقع لخصومهم الإيديولوجيين، وتحديدا الإسلاميّين، وهو ما يعني قبوله أيضا لو حدث للإسلاميّين من أبناء وطنهم؟ أم أنّهم يتبنّون نظريّة مفادها: السّحل والقتل مدان كتهديد بالقول ومبارك كممارسة بالفعل إذا كان أمرا واقعا يفرضه القويّ بالاِنقلاب. وهو ما تثبته تجربة الاِنقلاب، حيث كلّ اِنقلاب فاشل مدان ومجرّم وكلّ اِنقلاب ناجح مبارك. أم أنّ الصّمت عن إدانة صاحب دعوة الاِنقلاب والتّركيز على إدانة منتقده والمتصدّي له بقوّة وبشراسة رسالة مشفّرة تعبّر عن القبول بأيّ مبادرة ومغامرة من هذا النّوع؟
لو تركنا كلّ هذه الفرضيات واِكتفينا بأبسط تفسير لهذه الحملة لقلنا إنّها التّعبير الصّريح عن قبح هذه النّخبة السّياسية الّتي لا همّ لها سوى تسجيل النّقاط السّياسية في مرمى خصومها ولا تعنيها القضايا المبدئية. كلّ يوم، ومع كلّ أزمة نكتشف حقيقة هذه النّخبة المريضة المدّعية والكاذبة والخائنة للثّورة وقيمها وللمشروع الدّيمقراطي. إنّه الإفلاس السّياسي والأخلاقي. لا للعنف، لا للعنف، لا للعنف. نعم ولكن ذلك لا يعني أنّه لا يحقّ لأيّ شعب يواجه اِنقلابا أو اِستعمارا أن لا يمارس المقاومة والثّورة. لأنّ منطق الاِنقلاب والاِستعمار هو فرض الأمر الواقع بقوّة السّلاح وإرهابه وليس بقوّة الشّرعية وتلك هي الخطّة الّتي تنتهي إلى إدانة صاحب الحقّ في المقاومة. تونس حالة ديمقراطية عبثيّة وحالة عقل وضمير ثائرين يقاومان تراجيديا سياسية لم تغرق في لون الدّم ولكن غرقت في فساد الدّم.