شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | تونس بين زمن التّهميش وإرادة التّغيير

تونس بين زمن التّهميش وإرادة التّغيير

السلبية/ الاستسلام

الأستاذ محمّد قادري

الأستاذ محمّد قادري

أغلبية التّونسيون تعايشوا مع جميع أشكال الإقصاء والتّهميش، مبدعون، سياسيون، كتّاب، مفكّرون، حقوقيون، تمّ حصارهم بتقنية فريدة من نوعها. أمّا المواطنون العاديّون فتلك قضية أخرى أكثر نكالا وفداحة. اِستعمل النّظام النّوفمبري كلّ أشكال الإغراء والغواية والتّأثير الجانبي والتّحايل لتدجين جميع من يعتبرهم عدوّ مصالحه ويهدّدون مواقعه ومناصبه السّيادية والسّامية. لكنّ تجربته باءت بالفشل. رغم اِستسلام نسبة كبيرة للأمر الواقع إمّا بالاِنسحاب أو بالقبول والاِرتهان لحساسبات النّظام الغبيّة. أمّا العامّة، فإنّك تكاد تجزم أنّهم توارثوا داء اليأس المزمن.
التّاريخ لا يرحم لمن يقرأ التّاريخ بعين متفتّحة ويقظة. نيلسون مانديلا حاز باِعتراف البيض وفرض اِحترامهم له بفضل نضالاته وإرادة الأفريكان، وتحوّل العدوّ رقم واحد للمستعمر التّاريخي إلى رئيس دولة. وتحوّلت البلاد من نظام الأبارتهايد والاِقتتال والحروب الدّاخلية إلى نموذج للتّعايش والاِعتراف المتبادل.
لكن ماذا يمكن أن نقول عن ملك المغرب وعن حاشيته، وماذا سيكتب التّاريخ عنه؟

اِحتكر كلّ شيء ووزّع ثروة البلاد الّتي تشارك سؤال ضياعها مع شعبه وأعاد المغاربة عقودا إلى الوراء بفضل حكومة مؤتمرة وفاقدة لجميع ممكنات التّدبير المسؤول؟ ووزّع مخابراته على كلّ بيت ووراء كلّ كاتب ومناضل يراقبون جلساته وكلامه وهاتفه وموقعه الاِجتماعي وطبع في روع وقلب المواطن جرثومة الخوف.
وعلى أي أساس؟ هل ننازعه حكمه؟ قطعا لا. هل نزاحمه في عرشه؟ طبعا كلاّ. هل نرغب في تقاسم ثروته؟ خير الله واسع. وهل ننافس أزلامه وحاشيته على مناصبهم؟ يا ليتهم يتركوننا نشتغل قدر مستطاعنا وبجهودنا. ونحن قانعون بما قد نجنيه بكدّنا وكفاحنا.
إنّه العبث إذن.
كنّا ننتظر بعد ثورة الحرّية وعودة المنفيّين والمهجّرين وإطلاق سراح المساجين من كلّ العائلات السّياسية، واِنفتاح الدّولة والنّظام الجديد على كلّ أطياف المعارضة منها اليسارية والإسلامية، وبعد تجربة العدالة الاِنتقالية الّتي كانت تروم طيّ صفحة الماضي، أنّ نظام تونس مابعد الثّورة سيخوض تجربة تضاهي تجربة جنوب إفريقيا وبعض دول أمريكيا اللاّتينية كالأرجنتين أو الشيلي وتفوقها. لكن كلّ ذلك للأسف كان مجرّد سحابة صيف، وحرث في الماء. وعادت حليمة إلى عادتها القديمة، وتمّ التّضييق على الحرّيات، واِنتهاك الحقوق، وتبنّي منطق المواطن متّهم إلى أن تثبت براءته.
نحن في حاجة إلى العودة إلى طبيعتنا، إلى بساطتنا، ليس مستحيلا أن نتحوّل من الاِضطهاد والقمع إلى الحرّية والمبادرة، ومن التسيّب والطّغيان إلى العدالة والقانون السّويّ. وأركّز على صفة السّويّ لأنّ مجموعة من القوانين ظالمة ومجحفة. ومن الاِستبداد إلى الدّيمقراطية، من الفردانية حكم الفرد إلى التعدّدية والتّشاركية، ومن الريعية والاِنتقائية إلى المساواة والكفاءة. هل هذا شيء خارج معايير العقلانية المحضة؟. إنّه حقّا يكاد يشبه الاِستحالة في مجتمع كلّ علاقاته مرهونة ومؤسّسة على الزّبونية والعبودية.
لا شيء يعوّض نكهة المكان، ولا شيء يوازي لحظات الزّمان. لكنّنا للأسف متشبّثين بمكان، رغم ولادتنا وترعرعنا بين طرقاته ومبانيه ومساحاته الّتي ضاقت بنا، أصبحنا نكرهه ونمقته ونبغضه. ونحن أيضا ننسحب من الزّمان كما ينسحب سكّين من ظهر مغدور، ونمرق منه كما يمرق المسمار من جذع شجرة طريّة.
الإقصاء قد يلد إنسانا نكوصيّا، متوحّدا سلبيّا، يكره ذاته ومجتمعه ومريضا نفسيّا. والتّهميش قد ينتج فردا مشروخا محطّما سلبيا. والإبعاد قد يحوّل المواطن إلى مجرم ومدمن. لكنّ هذه الأشكال الاِنهزامية قد تخلق كائنا قويّا وإنسانا صلبا، ومواطنا منتجا.
لا يمكن لبلد أن يتطوّر في سيرورة تحطيم مواطنيه، ويستحيل لأرض أن تنتج وأهلها نائمون وأشباه موتى.
هي جدلية الصّراع بين الإقصاء والاِستجابة الاِستسلامية، وبين الإقصاء والإرادة القويّة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*