شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | تونس اللّيل… أو كسر النّمط

تونس اللّيل… أو كسر النّمط

image_pdfimage_print

تونس الليل

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

تابعت الجدل المتواصل الّذي أثاره فلم “تونس باي نايت” للمخرج إلياس بكّار… المثير في هذا الجدل أنّ عددا من المتابعين للحركة السّنمائيّة التّونسيّة من نقّاد وإعلاميين ومحبّي هذا الفنّ ممّن يتبنّون سنما الواقع وكسر التّابوات والجرأة في تقمّص الأدوار وعدم الاِرتهان للمقاربة الأخلاقويّة، هم أنفسهم من اِنتقدوا واِحتجّوا بل منهم من أدان الإساءة للمرأة التّونسيّة في هذا الفلم من خلال شخصيّة عزيزة الّتي اِعتبروها مضطربة منحلّة مستهترة متحرّرة من الضّوابط الأخلاقيّة والتّقاليد والأعراف المجتمعيّة “شخصيّة عزيزة تمثّلها الفنّانة أميرة الشّبلي”.

ربّما تتساءل عن سبب هذا التّناقض بين الدّفاع عن الشّكل الجريء لحضور المرأة في الدّراما التّونسيّة بالنّسق الّذي عوّدتنا عليه أغلب المسلسلات والأعمال السّنمائيّة وبين هذا الموقف الأخلاقي المفاجئ في فلم تونس اللّيل!!!

سيفاجئك أنّ سبب هذا التّناقض يتعلّق بصورة معادلها في الفلم أي أخوها “أمين” الّذي يتقمّص دوره الفنّان حلمي الدّريدي، حيث اِختار المخرج إلياس بكّار نموذج المتديّن الملتزم والمعتدل الّذي يعيش واقعه على خلاف الصّورة النّمطيّة السّلبيّة للمتديّن في عموم السّنما التّونسيّة.

إذن الاِحتجاج ليس في علاقة بشخصيّة عزيزة المتحرّرة في حدّ ذاتها الّتي أدّى بها اِضطرابها إلى الاِنتحار بل في مقابلتها بأخيها المتديّن المعتدل والمتوازن نفسيّا، كان يفترض لتحقيق الموازنة حسب هؤلاء أن يكون مقابل التحرّر المفرط التديّن المتطرّف والعنيف وإلاّ كان الفلم غير متوازن، بل كان الأفضل سيرا على نسق النّمط الدّرامي المعتاد المحافظة على السّرديّة التّقليديّة للمتحرّر الإيجابي مهما كانت شخصيّته صادمة ومتفلّتة من الضّوابط والأعراف والتّقاليد والمتديّن السّلبي الكاره للحياة والجمال والمرأة والحاقد على شعبه وبلده وفي أدنى الأحوال ضحيّة اِستقطاب جماعات الإرهاب.

كسر المخرج نمط هذه السّرديّة المكرورة وأحدث اِضطرابا في الصّورة التّقليديّة المتخيّلة والهويّة البصريّة المعهودة، فأثار حوله غضب حرّاس القوالب الجامدة والنّمطيّة الجاهزة.
كان المخرج وفيّا للواقع الّذي يحتوي على أنماط متنوّعة من الشّخصيّة الحيّة الّتي تتفاعل مع واقعها: متحرّرون منغرسون في ثقافتهم يبنون وآخرون تائهون يدمّرون أنفسهم ومحيطهم، متديّنون متحرّرون مقبلون على الخير والحياة وآخرون متزمّتون مرتهنون للفهم الجامد للدّين والواقع…

في كلّ الحالات السّنما تشخّص الواقع وتتعمّق في الشّخصيات ولا تحاكم ولا تشيطن أيّ فئة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: