توضيح حول مقولة ماركس الشّهيرة “الدّين أفيون الشّعوب” الّتي وظّفها خطأ ماركسيّونا ضدّ مسلمينا وإسلاميّينا.

الأستاذ محمد كشكار

تعريف المفاهيم: الإسلاميّ التّونسي هو مسلم يحمل مشروعا سياسيّا ذو مرجعية إسلاميّة (نهضاوي، سلفي غير داعشي، تحريري). الماركسيّ التّونسي قد يكون مسلما أو ملحدا يحمل مشروعا سياسيّا ذو مرجعية ماركسية- لينينية- ستالينية- ماوية (بوكت، وطد).

الجملة، فعلا، أخرِجت من سياقها. أنقل لكم سياقها كاملا من كتاب ماركس الشّاب (1818- 1883)، الفيلسوف الأكثر عمقا من ماركس الكهل (حسب فيلسوف حمّام الشطّ). نشره سنة 1844 تحت عنوان “مقدّمة لنقد الفلسفة وقانون هيڤل”، حيث وردت هذه المقارنة بين الدّين والأفيون أي بين جنّة اِصطناعية وسعادة وهميّة. قال: “البؤس الدّيني هو في نفس الوقت تعبيرةٌ عن البؤس الحقيقي وشكوى ضدّ هذا البؤس الأخير. الدّين هو صرخة المظلوم، هو روحُ عالَمٍ بلا روح، هو أيضا أخلاقُ عالَمٍ بلا أخلاق. الدّين أفيون الشّعوب”.
هذه الجملة الّتي يُشهِرُها الماركسيون التّونسيون خطأ في وجه المتديّنين التّونسيين كحكم غير قابل للاِستئناف، هي جملةٌ اُستُعمِلت فيها كلمة أفيون كمرادف لكلمة تسليةٍ، تسليةٍ عن بؤس حقيقي وليس اِستبلاها أو عجزا وجُبنا. الأفيون (البؤس الدّيني) كوسيلة نظيفة لطيفة للتخلّص من حقيقة كريهة بغيضة (البؤس الحقيقي). الدّين هو عبارةٌ عن لوحةٍ فنّية جميلة تزيّن جدارا قبيحا قبح عالَمِنا المعاصر. الدّين هو التحصّنُ بعالَم اللاّمادّة المقدّس هروبا من عالَم المادّة المدنّس.
جملةُ ماركس ليست جملة إدانةٍ بل جملةُ فهمٍ دون تقديم تنازلات للإيديولوجيّات الدّينية (L’intégrisme islamique). ماركس يقبل المتديّنين كما هم، خاصّة المقصين منهم اِجتماعيّا الّذين لا ملاذّ لهم إلاّ ملاذّ الدّين ولا صوت لهم إلاّ الشّكوى للخالق.
الماركسيون التّونسيون يلوّحون بالمسألة الدّينية عند الأزمات كفزّاعةٍ (أستثني الدّواعش التّونسيين، فهُمُ ليسوا فزّاعة بل هُم واقعٌ خطيرٌ مريرٌ ووبالٌ رهيبٌ على الإسلام والمسلمين والنّاس أجمعين)، يلوّحون بها للتّغطية على المسائل الدّيمقراطية الّتي تقضّ مضاجعهم لقلّة عددهم مقارنة بالإسلاميّين.
ماركس لا يهتمّ بمعتقدات العمّال بقدر اِهتمامه بتحريرهم من ربقة اِستغلال الرّأسماليين الّذين لا دين لهم حسب رأيه إلاّ دين الرّبح السّريع، متديّنين كانوا أو لا دينيّين.
ماركس الشابّ الحالِم رهيف الإحساس، قبل أن يطلب من الفقير المتديّن التخلّي عن حلمه المشروع بجنّة سماوية، يريد أن يهبه جنّة أرضية ويطمح إلى تحقيق فلسفة الدّين فوق أرض دون دين.
وأنتَ يا ماركسي تونسي ماذا قدّمت للفقير المسلم التّونسي؟ خاصّة بعد أن سفّهت التّجربة السّوفياتية حلم ماركس؟ بعد ماركس، أصبح الحلم كابوسا بفضل بركات ستالين وماو وبول بوت، وضحاياهم من العمّال والفقراء يُعدّون بعشرات الملايين.
ماركس، كان مثاليّا في طرحه إلى حدّ السّذاجة لأنّه أراد تخطّي الوجود البشري (La condition humaine) حيث يبدو البؤس قدرا منزّلا لا فصال فيه، والدّين أفيونٌ لا غنَى للبشرية عنه. في وطننا يبدو لي أنّ للدّين الإسلامي مستقبلٌ طويلٌ زاهرٌ، لا بل أزليٌّ دائمٌ كديمومة الخالق.
أختي (77 عاما) ضريرةٌ منذ سنّ الستّ سنوات، مؤمنةٌ إيمانا راسخا أنّه سيأتي يومٌ وتبصرُ وترى في النّور الإلهي أمّها، أباها، إخوتها، أخواتها، أبناءهم وصديقاتها وزميلاتها القدامى في معمل النّسيج للمكفوفين بسوسة. اِئتني بإيديولوجية تمنح لها هذا الأمل وأنا أتبعها صاغرا لك ممنونا!

خاتمة: يقول العامل المسلم التّونسي (Le prolétaire) للماركسي التّونسي: أرجوك يا رفيقي، أرأفْ بحالي، فأنا بلا إسلامٍ معاقٌ، تمهّلْ.. تريّثْ.. اُرزُنْ.. أو أعطني عكّازا قبل أن تكسر عكّازي! عكّازٌ ربانيٌّ لم يُصنَع أفضل منه بعدُ.. ولن يُصنعَ! عكّازٌ رفعني من الحضيضِ إلى السّماء. ملجأ ألجأ إليه حيث لا تصلُ يدُ المتكبّرِ الظّالِمِ. صيحة “لا إله إلا الله” أرفعُها في وجه الطّغاة فترفعني إلى السّماء السّابع. سماءٌ لا يطالها جبروت العباد. فضاءٌ ينتقمُ فيه ربّ العباد ممّن اِستباح دم العباد. فضاءٌ تنعدم فيه المذلّة والمسكنة. فضاءٌ يُذلّ فيه كلّ ظلاّمٍ للعبيد. أم تراكَ تبغي أن تمنعني من الشّكوى للخالق بعد ما بُليتُ بظلم المخلوق؟ اِذهب في حال سبيلك، أنت حرٌّ، لكنّني- رأفةً بك وبأمثالك- أنصحك نصيحةً صادقةً خالصةً لوجه الله، اُترك هذه التّجارة الخاسرة واِشتغلْ فيما ينفعُ النّاس، كلّ النّاس دون تمييزٍ دينيٍّ أو عرقيٍّ أو إيديولوجيٍّ، واُترك عكّازي فلا عكاكيزَ لي اليومَ غيرَهُ.

Source d`inspiration: Edwy Penel (cofondateur et président de Mediapart), Pour les musulmans, Ed. La Découverte, Paris, 2014, 135 p