شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | تفّاحة…

تفّاحة…

image_pdfimage_print
Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail

المخرج المنجي الفرحاني

في القطار يمكنك اِختيار قاطرة هادئة عليها علامة “silence” يُمنع فيها الحديث واِستعمال الهاتف، يستغلّها المسافرون للمطالعة أو للعمل على حواسيبهم أو لتصفّح جرائدهم أو هواتفهم الذكيّة.. كان الصّمت الّذي يخيّم على القاطرة رهيبا.. أحسست أنّني في حاجة لهذا الهدوء بعد سنين من ضجيج بلادي.. عبر النّافذة تهت في الأرض المنبسطة الخضراء والأبقار الهولنديّة المعروفة ترعى بلا رقيب حيث لا يوجد هنا سرّاق معيز..

فجأة سمعت صوت قضمة تفّاحة تخترق جدار الصّمت..
شيخ على يميني يأكل تفّاحة ويتصفّح جريدة.. هي عادة لدى الهولنديّين، لا تكاد تخلو حقائبهم من التفّاح..
كان صوت وقع أسنانه على التفّاحة مدوّيا لهدوء المكان.. لم أبالِ في البداية ولكن سرعان ما أزعجني ذلك الصّوت وتمنّيت أن ينتهي منها سريعا ولكنّه لم يفعل حتّى خُيّل إليّ أنّه يلتهم بين القضمة والقضمة صفحة من الجريدة..
أشفقت على التفّاحة من هذا الشّيخ المعتدي الأثيم..
أتُراه ساهم في حروب بلاده في أندونيسيا وجنوب أمريكا؟
هل كان يستمتع بقتل ضحاياه مثلما يفعل مع التفّاحة؟
هل عنده من أجداده من اِستوطنوا جنوب أفريقيا منذ قرون وأسّسوا نظام التّفرقة العنصرية؟
فكلمة apartheid كلمة هولندية وتعني التّفرقة..

ثمّ عندما تذكّرت أنّني قبل سويعات كنت في بلد الحاج طوبال الرشّاق وسي علاء ووأد الرضّع وعاملات الفلاحة وسرقة خيرات البلاد والاِنبتات والمسخ والوسخ وتغييب كلّ نفس حرّ، اِستعذت بالله من الشّيطان الرّجيم الّذي خلته غير مربوط في هذه الرّبوع واِعتذرت في نفسي للشّيخ المسالم وتركته يُجهز على تفّاحته كلّها وأنا أحاول أن أُفرغ دماغي من هذه الأفكار الّتي تحول دون راحة بالي..
يا ليتني ما أُوتيت من العلم شيئا، يا ليلتني ما أُوتيت ضميرا.. فلا أشقى…

Facebook 0 Twitter 0 Google+ 0 Linkedin 0 Mail
%d مدونون معجبون بهذه: