أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تعيين الصّادق القربي بوزارة الصحّة.. السّقطات القانونية والأخلاقية المدويّة

تعيين الصّادق القربي بوزارة الصحّة.. السّقطات القانونية والأخلاقية المدويّة

Spread the love

الأستاذ شكري بن عيسى

لطالما عوّدنا الوزير الحمّامي باِدّعاء الاِلتزام بالشّرعية والقوانين وتكريس الشّفافية وخدمة الصّالح العام، فأحيانا تخاله من جنس الملائكة وهو يحدّثك عن الدّولة ونواميسها وأصول مبادىء الحكم الرّشيد، ولا يتوّرع في كلّ مرّة عن مدح نفسه في الخصوص وزعم تصدّيه للرّموز الفاسدة وشنّ حرب على الفساد، في إطار تماهيه “المطلق” مع رئيسه في القصبة الشّاهد، غير أنّ تسمية الصّادق القربي، أحد أكبر رموز منظومة بن علي الفاسدة في منصب سام تابع لوزارة الصحّة، أسقط ورقة التّوت كاملة عن حقيقة الوزير “النّاصع” ورئيسه “السيّد نظيف”.

فالشّعب التّونسي تقريبا بأغلبيّته لازال تحت حدّة الصّدمة، منذ تلقّيه الجمعة تقريرا إخباريا حول تعيين وزير التّربية في عهد بن علي الصّادق القربي، في خطّة رئيس مدير عام الدّيوان الوطني للأسرة والعمران البشري التّابع لوزارة الصحّة، الّتي يديرها الوزير النّهضوي “اللاّمع” عماد الحمّامي، والصّدمة بالفعل كانت مزدوجة، من ناحية عودة أحد ديناصورات الحقبة الفاسدة من الباب الكبير، ولكن بالأساس ورئيسيّا في الوزارة الّتي يديرها “سليمان القانوني”.. عفوا نقصد عماد الحمّامي.

والحمّامي إن كان لم يفدنا بأيّ سياسات ولا نتائج في مجال مكافحة الفساد، طيلة مدّة السّنوات الّتي قضّاها على رأس وزارات التّشغيل والصّناعة وأخيرا الصحّة، فهو متخصّص في الفرقعات الإعلامية والقنابل الصّوتية المدوّية في ترويج محاربته الفساد، ماجعل وهما “رفيعا” يسكن المخيال الشّعبي بأنّه أحد الأعلام في الصّدد، ومن هنا كانت “الصّعقة” بعد حصول التّعيين “المنبوذ” قانونا وأخلاقا داخل وزارته.

والحقيقة أنّ من يعرفون الرّجل عن قرب لم يستغربوا ما حصل، فالرّجل بات من أمهر المتخصّصين في التّمركز في مفاصل السّلطة، سواء داخل حزبه في أعلى المؤسّسات أو في الحكومة ومنظومة الحكم عموما، فهو “ميكيافيلي” الجينات “بارع” في الولاء “المخلص” لماسك السّلطة العليا في مونبليزير والقصبة وقرطاج، وتصيّد ما يستهويهم لإرضائهم وحتّى فعل ما يحقّق الاِنتشاء بعمقهم، وأدبيّاته في وصف أو الحديث عن الغنّوشي أو الشّاهد أو السّبسي تستحقّ التّدريس وحتّى الحفظ في قواميس المديح الفاخر، وبالتّالي فتطبيق القانون وقواعد القانون لا يمكن أن يُسبَّق عند الوزير على الأوامر والقرارات “العليّة”.

والاِستجابة لقرار التّسمية كانت فوريّة من الوزير الحمّامي، كما يقول الجندي في الثّكنة دون “تململ” ولا “ترمرم”، أي دون أدنى حركة أو أدنى تحريك الفم، والتّنصيب تمّ الجمعة بإشراف مدير ديوان الوزير النّهضوي شخصيّا (كما صدر في بلاغ عن الدّيوان نقلته وكالات الأنباء) برغم كلّ الإخلالات القانونية والأخلاقية الفاحشة، ولن نتحدّث عن الذّوق العام الّذي وقع الاِعتداء عليه بل والتّشنيع به، ولن نثير أمر المشاعر العامّة الّتي وقع خدشها في القلب، كما لن نتعرّض للنّظام العامّ بعد كلّ الاِضطراب الّذي حصل.

الوزير صرّح لكلّ مقرّبيه في حزبه بأنّه لم يتمّ اِختيار أيّ من الأسماء الّتي اِقترحها على الشّاهد، ونحن نصدّقه في الصّدد، وفي هذه الحالة الخروقات الدّستورية والقانونية المسجّلة صارت صارخة، فالدّستور إذ يمنح في فصله 92 اِختصاص التّعيين في الوظائف المدنية العليا لرئيس الحكومة فهو يفرض عليه إمضاء الأوامر الفردية في فصله 94 بعد مداولة مجلس الوزراء، وقد يكون (اِفتراض) تمّ قبول الحمّامي بما اِقترحه الشّاهد في الصّدد عند المداولة، وفي هذه الحالة يصبح الوزير قابلا بالتّعيين، غير أنّ هذا الأمر إن تمّ فهو يخالف القانون عدد 33 لسنة 2015 الّذي نصّ عليه الفصل 92.

فالقانون المذكور في فصله الثّالث يقضي بأنّ رئيس الحكومة يعيّن في الوظائف المدنية العليا بأمر بعد مداولة مجلس الوزراء ولكن على أساس اِقتراح من الوزير المعنيّ، ولم يسمح بحال أن يكون الاِقتراح من رئيس الحكومة لا يعترض عليه الوزير المعنيّ، هذا على فرض قبول الحمّامي بمقترح الشّاهد، وفي كلّ الحالات فالقربي في تاريخ التّعيين بلغ 61 سنة و9 أشهر وبالتّالي هو في سنّ التّقاعد، والفصل 24 من القانون عدد 12 لسنة 1985 (قانون التّقاعد) إذ يسمح بالتّمديد فهو يربطه بشروط جوهرية، لم تتوفّر حسب ما هو متاح في وضعيّة الحال، فمن النّاحية يشترط وجود تقرير معلّل من الوزير المعنيّ، ومن أخرى يستوجب وجود أمر إبقاء بحالة مباشرة.

وبالبحث لم نعثر على أمر إبقاء القربي في حالة مباشرة بعد تجاوزه سنّ التّقاعد بأكثر من سنة، ورئيس الحكومة ذاته خالف المنشور التّطبيقي لهذا القانون عدد 16 لسنة 2016، المتعلّق بالاِلتزام بالقواعد المنظّمة لمواصلة الأعوان العموميّين للعمل بعد بلوغ سنّ التّقاعد، الّذي يؤكّد أنّ الإبقاء في حالة مباشرة هو اِستثناء يستوجب “التّرخيص مسبقا”، كما يحصر الأمر في “بعض الإطارات العليا” الّتي “يصعب تعويضها نظرا لخبرتها الخاصّة في بعض المجالات الدّقيقة”، أو “الأسلاك الّتي تشكو نقصا في عدد الكفاءات المنتمية إليها”، ولا نعلم الحقيقة أنّ القربي باِستثناء كونه متخصّص في الطبّ هو كفاءة “يصعب تعويضها” أو أنّ السّلك المعنيّ يشكو نقصا في الكفاءات للاِستنجاد به، والمنشور إن كان يخصّ “التّمديد” ولا يسمح لمن كان مباشرا للخطّة ويفرض شروطا صارمة فالأمر يكون أشدّ صرامة بمن يقع اِستجلابه للخطّة.

المأزق زيادة على الخروقات القانونية الفاحشة يرتبط بالأخلاق السّياسية، فالقربي وصفته، اليوم الإثنين، النّائبة النّهضوية كسيكسي بأنّه “رمز من رموز الفساد” ومتعلّقة به “تهم بالتحرّش”، كما اِرتبطت به شبهات عميقة بإفساد المنظومة التّربوية بتسريب اِمتحانات باكالوريا وتعيينات في “الكاباس” مقابل رشاوى، خرّبت المدرسة وضربت منتوجها التّربوي التّعليمي، والنّهضة وجدت نفسها في ورطة والفضيحة كانت كبرى بعد اِفتضاح أمر التّعيين، فربّما الحمّامي كان يعوّل على عدم اِفتضاح أمر التّعيين، ولكن ردّة الفعل العارمة المستنكرة والمندّدة كانت مزلزلة، والاِتّهامات كانت قويّة في اِتّجاه النّهضة الّتي ترسّخت فكرة اِرتباطها بالفساد، بعد تشريع قانون تبييض الفاسدين قبل أشهر.

والأمر زاد تعقيده بعد تنصّل نداء تونس من اِقتراح تعيين القربي، فالنّاطق الرّسمي للحزب المنجي الحرباوي أكّد في تصريح إعلامي الإثنين أنّ حركته لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بهذا التّعيين، مضيفا وجود إخلالات في التّعيين وبأنّ حزبه يتبرّأ من القربي، والنّهضة اليوم الّتي طبّعت مع الفساد تشريعا وممارسة صارت تدفع الثّمن باهضا، ومهما كان موقعها في منظومة الفساد سواء كانت هي المبادرة أو الموافقة أو الصامتة على التوجّه أو الممارسة، فالرّأي سجّل تداخلها في الشّبكة بشكل أو بآخر.

الضّغط الشّعبي الشّديد وضع الشّاهد ووزيره الطيّع في الزّاوية الحادّة، ودعوات لمساءلة الوزير والحكومة تعالت من كلّ صوب والفضيحة باتت صارخة، ما دفع للتّفكير العميق في إلغاء التّعيين الّذي تمّ التّراجع فيه، وفي كلّ الحالات فهذا التّعيين كشف لنا أنّ “الحرب على الفساد” المعلنة من حكومة الشّاهد كانت مجرّد قنبلة ضوئية، أحدثت أثرا مبهرا مثيرا، سرعان ما فتر، بغياب أيّ نتيجة على “كاسة” الدّولة الّتي تعاني نفس العجز السّابق وأكثر، ومع اِستمرار رموز حقبة بن علي في الحكم مثل وزير المالية ووزير التّربية وغيرهم، وبالتّعيين الأخير اِنكشف الجميع، والسّقطات القانونية والأخلاقية باتت صاعقة!!