الأستاذ الحبيب بوعجيلة

كان الأمر سهلا وبسيطا يوم هروب المخلوع. منظومة فساد واِستبداد لا يجرؤ أحد على الدّفاع عنها هرب رأسها واِتّحدت الحشود والنّخب والطّبقة السّياسية على ضرورة إصلاح الموجود إصلاحا جذريّا والذّهاب بعد ذلك إلى بناء تونس المنشودة عند أهلها البسطاء بلدا يتوفّر فيه الشّغل والطّعام والنّقل الجيّد والخدمة الصحّية والتّعليم النّاجع والحكم الصّالح. كان الأمر واضحا تماما وبسيطا جدّا.

هذا البسيط على مشروعيّته كان إيغالا في السّذاجة لأنّ الأمر كان أكثر تعقيدا ممّا تخيّلنا. بعد سنوات ثمانية تقترب فيها الدّولة التّونسية من مصافّ الدّول الفاشلة بالمعنى الدّقيق للكلمة في معناها العلمي سياسيّا.

أصبح الاِستخلاص السّائد عند عموم النّاس بسيطا آخر لكنّه بسيط كارثيّ ومرعب: اِرتفاع أصوات ندرك فسادها وضحالتها لكنّها تتجرّأ بكلّ راحة لتقول إنّ “الثّورة” هي الغلط وأنّ المنظومة الّتي كانوا أذرعها لم تكن لا فسادا ولا اِستبدادا وبجرّة قلم وقح يدّعمهم في ذلك واقع مذهل ومفاجئ لنا جميعا يعلنون أنّ كلّ “الجديد السّياسي” بتيّاراته وأحزابه هو الفشل والاِنهيار.

ممثّلو “الجديد” بتيّاراته يمينا ويسارا يمارسون “المناحات” أمام الكوارث المتلاحقة ليتلخّص قولهم في بسيط آخر أكثر كارثيّة: نعم إنّ القديم هو منظومة فساد واِستبداد لكنّ المسؤول عن الرّاهن المفزع هو الآخر الإيديولوجي.. الخوانجية عملاء الرّبيع العبري وقتلة الشّهداء وأصحاب الجهاز السرّي الّذين يحكمون مع المافيا الفاسدة.. أو اليسار العميل الاِستئصالي الّذي خدم القديم فعاد إلى الحكم بقطع طريق اِستعملناه بتكتيكنا بعد ذلك في خيار التّوافق لننقذ أنفسنا والبلاد.

فئة سياسيّة أخرى بلا ملامح لا هي بالقديم الفاقع ولا الجديد الحقيقيّ تجمّعت بنجاح في نداء تونس وفازت باِمتياز في اِنتخابات 2014 ثمّ تصدّعت ولكنّها ظلّت تتقاسم مواقع النّفوذ وتدير اللّعبة والصّراع بينها ولكنّ كلّ شقّ فيها يعد بالنّجاح وينسب الكوارث الّتي تقع في البلاد إلى الشقّ المقابل لنكون أمام تشخيص بسيط آخر: الدّولة جميلة والنّظام كان فيه بعض فساد واِستبداد فأعينونا بقوّة لنكون النّظام الجديد.

آخرون منهم نحن البسطاء العاجزون نقدّم بسيطا آخر لا يقلّ غموضا وتيها عن البسيط المذكور أعلاه: كلّهم مش باهيين واِحنا فقط الباهيين والثّورة باهية وكلامنا هو الباهي لكن في اِنتظار “غودو” الّذي لا نعرف من هو؟

ماذا وقع ولماذا وقع ما وقع ما وقع وكيف نمنع أن يتواصل ما يقع وما هو الّذي يقع ويجب أن لا يقع وما هو الّذي يقع ويجب أن يقع؟ تلك أسئلة أعجز شخصيّا عن الإجابة عنها والأدهى والأمرّ أنّي أعجز عن قبول الأجوبة الّتي يقدّمها أصدقاء كثيرون بثقة عجيبة على أنّها هي الأجوبة.

هل هي لاأدرية أو ريبيّة مطلقة ومدمّرة للذّات؟ نعم.. أعترف… من أوصلني إليها؟ أشعر أنّ هناك مهندس ماهر خبيث نجح في إيصالي إليها… من هو؟ لا أدري.