أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / تأخّر فطام النّخبة التّونسية عن الأمّ فرنسا

تأخّر فطام النّخبة التّونسية عن الأمّ فرنسا

Spread the love
الأستاذ نور الدّين العلوي

أعادت الحماقة الإرهابية الّتي اِستهدفت معلّما فرنسيّا من قبل شابّ شيشاني مسلم إلى سطح النّقاش في تونس وربّما في بلدان المغرب العربي كافّة موضوع العلاقة مع فرنسا وكشفت أنّ هناك تونسيّين كثر يشفقون على فرنسا أكثر ممّا يشفقون على أنفسهم. كما أخرجت من الأعماق خطابا عدائيا لفرنسا لا يحسن ترتيب حججه ولا لغة خطابه السّياسي والاِقتصادي. فيقع في عفويّة مرضيّة غير منتجة لموقف أو لقرار.

فرنسا الجميلة المغرية

تعود علاقة التّونسيين بفرنسا إلى ما قبل القرن التّاسع عشر حين قدمت بقناصلها ثمّ بقروضها ثمّ بجيشها واَحتلّت البلد. صمت التّونسيين السّريع على وجودها فوق أكتافهم يكشف أنّ رفضهم لها لم يكن عميقا ولذلك سرعان ما اَستولت على أرضهم وحوّلتهم إلى أقنان فوق مزارعهم ولكن يبدو لي أنّ تغلغلها في نفوسهم يفوق تغللها في أرضهم لقد قدّمت لهم وجه الحضارة الجميل فعاينوه وأحبّوه واَنخرط فيه كثير منهم فصار التقدّم والرّفاه والسّعادة المادّية فرنسيّة أو على الطّريقة الفرنسيّة.

لقد بنت لهم مدنا جميلة لم يسكنوها لكنّهم قلّدوا عمرانها وقدّمت لهم نموذج عيش مدنيّ رخي فاَتّبعوه وصارت رؤيتهم للعالم بعيون فرنسيّة. يختلف الأمر بقدر التحضّر ففي الأرياف البعيدة حيث الشّظف والجوع ظلّت فرنسا كائنا غريبا وربّما بغيضا ومخيفا (وكافرا) لكنّه موجود ويفرض رؤيته أمّا في الحواضر فقد صار نموذج الحياة الفرنسية مطمحا. وكان تعلّم اللّغة الفرنسية بابا للرّزق أوّلا ولكنّه تحوّل بصمت إلى باب للاِندماج في النّموذج الثّقافي الّذي صار نموذجا حضر المدن باِمتياز.

يسمّي التّونسيون فرنسا (العَكْرِي) ولم أعرف أصل التّسمية ولكن كلّ ما فعلته العكري متين وجميل وعبقري. لقد تحوّلت إلى مقياس لكلّ شيء ولكلّ فعل فلمّا اَنصرفت جيوشها عن البلاد تحوّلت إلى نافذة وحيدة للإطلال على العالم. فسافرت النّخب إلى باريس للتعلّم وعادت من هناك إلى حكم البلد بروح فرنسيّة. ودون أيّ اِتّهام بالخيانة أو ضعف الوازع الوطني كانت النّخبة تريد بناء تونس على مقياس فرنسا في معمارها (تخطيط البيت الخاصّ والسّكن الجماعي) وحياتها اليوميّة (المطبخ والملبس والإتيكات) فتعمّق الإيمان بالنّموذج القيادي وسمّى ذلك بالتّحديث. ويروى عن بورقيبة في تبريره للاِنفتاح السّياحي زمن الاِستقلال وبناء الدّولة أنّه قال (أريد أن أمدّنكم لتصيروا مثل الفرنسيّين). لقد كان أكبر معجب بالنّموذج الفرنسي وخاصّة المتخيّل منه على طريقة أوجيست كونت الّذي عشق بورقيبة كتبه وحاول فرضه كبرنامج دراسي في الجامعة. لقد جنّنت الغانية الفرنسيّة عشّاقها التّونسيين حتّى الآن.

فرنسا القاهرة اَقتصاديّا

بروح مؤمنة بالنّموذج الفرنسي كنموذج وحيد للتّحديث بنى التّونسيون اَقتصادهم الجديد فجاء ملحقا بالاِقتصاد الفرنسي لم يفلح النّموذج الاِستقلالي للستّينات الّذي بناه أحمد بن صالح في فكّ رباط التبعيّة فقد اَنهار بسرعة قياسيّة. لم نعرف بعد دور فرنسا في تخريبه ولكن نعرف أنّ النّموذج اللّيبرالي الّذي تأسّس بعده مع الهادي نويرة (وزير أوّل عقد السّبعينات) فتح الباب للمستثمرين الفرنسيّين أوّلا. جاء غيرهم من الألمان والإيطاليّين ولكنّ الأسبقية الاِستثمارية في الصّناعات الخفيفة والسّياحة كان لفرنسا وحتّى اللّحظة تعتبر فرنسا أوّل مستثمر في تونس طبقا لقوانين الاِستثمار القائمة على المناولة.

لقد فرضت بقوّة اِمتيازات تنافسيّة في الاِقتصاد التّونسي وكانت أوّل مستفيد منها. وضع الشّريك المهيمن على الاِقتصاد التّونسي سمح للفرنسيّين بمدّ أرجلهم فهم قناة التّصدير الأولى للموادّ الفلاحية وخاصّة الزّيت (ويعاني المنتجون الآن عقبات التخلّص من الهيمنة الفرنسيّة). ومن مظاهر الهيمنة الفرنسية المرئي لكلّ ناظر اِحتكارها لسوق السيّارات الخاصّة والشّاحنات حيث يعسر على التّونسي الحصول على سيّارة غير فرنسية وتسرّب السيّارة الآسيوية إلى السّوق التّونسية يجري الآن بالقطرة. والهيمنة الاِقتصادية سمحت بهيمنة سياسية فالوضع السّياسي التّونسي يدار من فرنسا في الغالب. وقد كتبت مرارا أنّ الرّئيس التّونسي تختاره فرنسا وينتخبه الشّعب التّونسي متوهّما السّيطرة على قراره الوطني وقد جسّد الخضوع أمام الهيمنة أحسن تجسيد الرّئيس التّونسي الحالي وهو يقبّل كتف الرّئيس الفرنسي بذلّة مهينة.

والهيمنة السّياسية مهّدت لهيمنة ثقافيّة حيث لا يمكن أن نجد فيلما تونسيّا لم تساهم مؤسّسات ثقافيّة فرنسية في تمويله وفرض محتواه وقضاياه. هذه الهيمنة لم تحمل السّلاح بشكل مباشر بل تفشّت بفعل موروث الإعجاب بالنّموذج الّذي بدأ مع الاِستعمار في القرن التّاسع عشر وبفعل الاِنبهار بالنّموذج السّياسي والثّقافي الفرنسي الحديث (لما بعد الحرب الثّانية خاصّة لجهة التّرويج للائكية يعقوبية كانت سلاحا فعّالا ضدّ كلّ سؤال الهويّة المغيّب)

إنّ نموذج علاقة التّونسيين بفرنسا هو مثال مدرسي عن الهيمنة الشّاملة والمطلقة الّتي تمسح منطقة الثّقافة والسّياسة والاِقتصاد وتعمل كلّ هذه الجوانب في تكريس التّبعية والعجز عن اِختراع نموذج مستقلّ وتعدّدي يستفيد من تجارب غير التّجربة الفرنسية السّياسية والثّقافية. ولذلك عندما تصاب فرنسا بصداع يبلع تونسيّون كثر الباندول الثّقافي خشية اَنهيار نموذجهم المتخيّل. ولذلك وقفوا صفّا مع قضيّة شارلي هبدو ونموذج العمليّة الإرهابية الأخيرة ضدّ المعلّم في حين لم نسمع لهم ركزا يوم حصلت عملية إرهابيّة مسيحيّة في نيوزلاندا وقتل فيها متطرّف مسيحي أكثر من خمسين مسلما في مسجدهم. بل لقد تعرّضت بلدان أوروبية أخرى لعمليّات إرهابيّة أقسى ممّا عرفت فرنسا ولم نر ولم نسمع تفاعل النّخبة التّونسية المتفرنسة مع تلك البلدان. ولذلك أيضا ذهب مثقّفون تونسيّون وسياسيّون يستجدون تدخّل فرنسا المباشر لإنقاذهم من ديمقراطية يشارك فيها الإسلاميّون. ولذلك أيضا ذهب إسلاميّون إلى فرنسا يستجدون السّلامة كي لا تخرّب عليهم مشاركتهم. ولذلك وقبله لم يجرؤ سياسي تونسي على قيادة معركة اِستقلال عن فرنسا يدفع ثمنها ويقبض مغنمها بشجاعة. ولذلك سيظلّ هناك تونسيّون مغرمون يوجعهم ما يوجع فرنسا الغانية المهيمنة. ويتلذّذون خضوعهم لها كشواذّ في برنوغرافيا مفضوحة.

هل يمكن التحرّر من فرنسا؟

بالنّخبة الحالية يشبه الأمر حلم سجين بالمؤبّد بالخروج من سجنه. وأرى أنّ من يتكلّم عن الاِستقلال الاِقتصادي عن فرنسا عاجز عن تقديم بديل حقيقي غير متوتّر بخطاب شعبوي. فعداء فرنسا بخطاب ديني صار غير مجد كما أنّ اَستعادة خطاب الثّورة ضدّها غير منتج كما نسمعه هذه الأيّام. نظريّا تسمح العولمة والاِنفتاح الاِقتصادي بربط علاقات اِقتصاديّة متعدّدة تخفّف الهيمنة الفرنسية وتعيد ترتيب العلاقة على أساس الندّية والحرّية. وقد بدأ ذلك فعلا لكنّه كما في حالة دخول السيّارة الآسيوية إلى تونس يتمّ بالقطرة.

القرار السّياسي التّونسي مرهون لأسباب كثيرة للهيمنة الفرنسية فالتخلّص من هامش الاِقتصاد الفرنسي يطلب ثمنا موجعا وسريعا لا يجرؤ عليه سياسيّ واحد. والشّباب الّذي سار في الشّوارع بشعارات الحرّية فقير بل معدم ولا يمكنه الاِستقواء ببعضه ليؤلّف موقفا واحدا ضدّ هذه الهيمنة بل إنّ بعض صغار السياسيّين يتّخذ خطاب الاِستقلال مطيّة اَنتخابيّة ثمّ يخونه بسرعة بما يزيد في إحباط كلّ نفس مستقلّ أو اِستقلالي. وكثير من المعدمين الّذين (يحرقون) عبر زوارق الموت يحمل في قلبه حبّ فرنسا وكرهه لها في وقت واحد فهي عدوّ ولكنّه يوفّر عملا ورزقا. فرنسا الغانية الجميلة لا تزال تسكن صدور التّونسيين لذلك يجدون لذّة في حبّها القاسي وهي تجلدهم بالسّوط وتغلق السّماء المفتوحة في وجوههم.

وأقول بأسف مرير أنّ زمن التحرّر من فرنسا لا يزال بعيدا ولذلك سنرى التّونسيين يتناولون الباندول كلّما أصيبت فرنسا بصداع. وأقصى أمانيهم الآن أن يواصلوا رفع شعارات ضدّها بلسان فرنسي (مثل قولهم ديقاج).