الرئيسية | غير مصنف | بين الدّار والدّار مسافة كبيرة وفرق كبير

بين الدّار والدّار مسافة كبيرة وفرق كبير

image_pdfimage_print

 

الأستاذ خليد بلحاج

قصّة الدّار الكبيره حقيقة تاريخيّة لها أكثر من عبرة. وسخرية القدر تجعل العابثين يقعون في شرّ أعمالهم. الدّار الكبيرة أو الماخور الّذي فتحه أحد الفرنسيّين في تعدّ صارخ على عادات وتقاليد مجتمع مسلم أصيل وأحد عمليّات تغيير ملامح هذا المجتمع يتكرّر اليوم مع أصحاب مشروع الدّار الكبيرة الّذين يواصلون جهد الاِستعماري في ما توقّف عن فعله بيديه ليكونوا يده القذرة. ومشروع الدّار الكبيرة هو مسخ المجتمع التّونسي وتمييعه أكثر فأكثر لجعله منسلخا مفكّكا. ذاك هو مشروعهم وهدفهم الّذي يغلّفونه بعنوان المحافظة على النّمط المجتمعي التّونسي والحقيقة أن لا علاقة لهم بروح المجتمع التّونسي بل هم أدوات تدميره خدمة للاِستعماري.
من يحمل رؤية فلسفية لهذا الوجود ومشروعا حضاريا يدرك أنّنا نعيش صراعا حضاريا كبيرا وليس هذا بجديد على المجتمع الإنساني أو على المجتمع العربي والإسلامي. ولكن تغيّر منطق الصّراع وأشكاله أصبحت مضلّلة جدّا. لقد كانت الحروب الصّليبية ثمّ الحملات الاِستعمارية واضحة الهدف والأسلوب، حرب عقائدية وجودية ورغبة في الهيمنة والتحكّم والاِستغلال. وكانت كلّ تلك المحاولات تواجه بالتصدّي والمقاومة. وبسبب وضوح العدوان لم يكن من الصّعب توحيد أفراد الشّعب الواحد وإقناعهم بضرورة الاِنخراط في مشروع واحد ضدّ العدوّ ومقاومته بكلّ الوسائل. إلاّ أنّ تطوّر الرّأسمالية والفكرة الاِستعمارية أدّى إلى ظهور المشروع الجديد والاِستراتيجية الجديدة للهيمنة والتحكّم في شعوب العالم من أجل اِستغلال خيراتها حدّ اِستنزافها باِستراتيجية اِقتصادية تقوم على مبدأ النّجاعة، بأقلّ جهد ممكن وبأقلّ التّكاليف، وأغلى التّكاليف هي الأرواح البشرية والأموال الّتي ترصد للحروب ممّا جعل خسائر المستعمر كبيرة جدّا.
ثمّ إضافة إلى ضغط الكلفة البشرية والمالية ساهم تطوّر الفكر الإنسانوي، الّذي دافع عن حقوق الإنسان والمساواة بين البشر وحقّ الدّيمقراطية والسّلم لجميع الشّعوب، وهو نتيجة جهد عظيم بذله الفلاسفة الحقيقيون والأدباء والعلماء الإنسانويون في تغيير اِستراتيجية الهيمنة الاِستعمارية بطريقة غير مباشرة.
ويمكن القول إنّ العولمة هي نتيجة حتميّة لتطوّر الرّأسمالية والاِستعمار فتحوّل العالم إلى نظام جديد يقدّم التّجارة على الحرب كما بيّن ذلك كانط في تصوّره من منظور فلسفة التّاريخ وهو نفس ما رآه جون ستيوارت ميل.
هذا التغيّر الحاسم سيغيّر منطق التّعاطي حيث سيستبدل منطق قوّة السّلاح بقوّة الفكرة والقيمة الفاسدة والمزيّفة أي يتمّ اِستبدال القوّة الصّلبة بالقوّة النّاعمة وستستخدم القوّة الصّلبة أي القوّة العنيفة بعد ذلك باِقتصاد.
إنّ الاِستعمار الجديد الحضاري يقوم على صراع القيم ولا أخطر من القيمة. فإذا أردت أن تسيطر على شعب فعليك األّا أن تغيّر منظومة قيمه وتحطّم بنيته الذّهنية الأصلية وتعيد تشكيلها بطريقة جديدة تجعلها مائعة غير صلبة خاضعة تابعة، وهذا لا يتحقّق إلاّ بجهد كبير وخطّة وقوى تعمل على التّنفيذ. وأهمّ قوى التّنفيذ هي قوى الدّاخل العملاء. هؤلاء الّذين سيتطوّعون لإنجاز مشروع التّمييز والسّلخ والتّفكيك. هؤلاء لن يطلب منهم التّخطيط أو وضع البرامج فتلك مهمّة المستعمر الأجنبي أمّا التّابع وظيفته تنفيذ الخطّة لا غير.
خطّة تقوم على تحقير الذّات وثقافة المجتمع وحضارته واِعتبار الثّقافة الأصلية لا يمكنها تحقيق التقدّم وهي سبب التخلّف. ولتحقيق التقدّم والرّفاه لا بدّ من اِستبدال منظومة الأفكار والقيم الأصلية بمنظومة المجتمع المتقدّم.
أمّا في ما يتعلّق بعقيدة المجتمع الّتي لا يمكن اِستئصالها فالأصلح عدم التّصادم معها ويجب العمل على تحريفها وتمييعها وإيهام معتنقيها أنّ هذا الأسلوب في ممارستها هو الأقرب للأصل أو أنّه الوفيّ لثقافة المجتمع المحلّي. في هذا المستوى تبتكر شعارات وعبارات من نوع الإسلام التّونسي… ونحن فعلا نشهد هذه الاِستراتيجيا الخطيرة في تونس حيث تحوّلنا وبسرعة من الإسلام المعلوم عقيدة وممارسة عند التّونسيين إلى الإسلام لايت ثمّ وأخيرا الإسلام المسيحي أي الإسلام على الطّريقة المسيحية، إسلام فلكلوري، المهمّ هو ضرب منظومة القيم الأصيلة المقاومة للاِستعمار بشتّى أشكاله.
كلّ المبادرات الّتي روّج لها حزب الدّار الكبيرة ورئيسه والّتي حملت عنوانا حقوقيا كان هدفها الأساسي ضرب ثوابت المجتمع وقيمه وتفكيك الأسرة وتمييع العقيدة والدّين، وكذلك تمييع القيم والقواعد الدّيمقراطية لأنّهم وببساطة مثلهم مثل سيّدهم الّذي يأمرهم فيطيعون ليست غايتهم تحديث المجتمع وإنّما تمييعه وإرباكه وجعله في أزمة هويّة حقيقية.
ولا تختزل الهويّة في المعنى الضيّق كما يحصره كثيرون في الدّين، كما يختزلون الدّين في العبادات، فالهويّة هي روح الأمّة وثقافتها الّتي تمثّل قوّتها الحيّة في المقاومة والفعل التّاريخي.
بين الدّار والدّار مسافة كبيرة وفرق كبير.
دار كبيرة أصيلة تجمع التّونسيين ولا تفرّق بينهم وتحضنهم تحت ظلّ شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء، ودار أخرى كبيرة تجمع من لا هويّة لهم أولئك الّذين جمعت بينهم المصالح والمنافع فلا توحّد بينهم قيم أصيلة ولا أهداف نبيلة. هم يجتمعون عند سيّد الدّار الغريب الّذي جاء لينهب ويسرق فبنى بيتا واِدّعى أنّه من أبناء البلد وأنّه محبّ لأهله وهو لا يطلب إلاّ هلاكم ولا يتمنّى إلاّ الشرّ لهم، ولا ينظر إليهم إلاّ بعين الحاسد الطّامع في ثرواتهم والمباغض في سرّه لهم ولعاداتهم وقيمهم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: