شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | بوصلة مواطنية…

بوصلة مواطنية…

image_pdfimage_print

الأستاذ أنور القوصري

كلّ إنسان بريء إلى أن تثبت إدانته أمام القضاء… في محاكمة عادلة تؤمّن له فيه الوسائل الضّرورية للدّفاع عنه…
والجريمة دائما شخصيّة… بمعنى أنّه لا يعاقب إلاّ من اِقترفها أو من شاركه في اِقترافها… مثل إعانته عليها… أو تقديم المساعدة له… أو التّخطيط لها… أو الإذن بها… أو تمويلها… إلخ… وهو عالم مسبقا بقصده الإجرامي…

ويحصل أن يتلكّأ القضاء في الكشف عن الجريمة… وتتبّع مقترفيها… مثلما حصل مع قضيّة الشّهيدين بلعيد والبراهمي… والتّنظيم السرّي… وأسباب ذلك كثيرة…
هذا يحدث في تونس بعد الثّورة… لأنّ القضاء الّذي ورثناه عن حقبة الاِستبداد والفساد ليس مستقلاّ بعد طبق المعايير الدّولية لاِستقلال القضاء…
وهو لا يزال يشكو من عاهات الماضي الّتي تنجرّ عنها عدم اِستقلالية الهيئة القضائيّة المتعهّدة بموضوع… بسبب التبعيّة لمراكز النّفوذ أو التّوظيف السّياسي… أو الفساد… إلخ…
وفي تلك الوضعيّات هناك حلول…
هناك وسائل قانونية تمكّن من القيام بمعارك قضائيّة أمام هيئات قضائيّة أخرى تؤمن باِستقلاليّتها…
وهناك معارك إعلاميّة من حقّ الضّحايا خوضها… عندما يرتطمون بنكران العدالة لحقوقهم… كضحايا اِنتهاكات لم تجد طريقها العادي أمام قضاء مستقلّ… إمّا مباشرة أو بواسطة من وكّلوهم…
وهذه المعارك يخشاها الكثير… لأنّها تميط اللّثام لدى الشّعب عن الّذين ينتهكون الحقوق مهما كانت السّلطة الّتي ينتسبون لها… وتجعل المؤمنين منه بحقوق المواطنة… يضعهم في قفص اِتّهام الرّأي العام… ويتصرّف معهم كيف الفار الّي نزّس خابية…

وهذا ما يحصل يوميّا في البلدان الدّيمقراطية الّتي فيها الرّأي العام هو المحدّد… في السّياسة والاِنتخابات… وحتّى في تقرير الثّورات لمّا يتمسّك السّياسيون المنتخبون بقوّة أجهزة الدّولة ضدّ حقوق شعبهم… ويخرقون الدّستور الّذي عليهم اِحترامه… بوصفهم خانوا العقد الاِجتماعي الّذي يربط بين الجميع…

أمّا من يرفض هذا التوجّه المواطني الدّيمقراطي.. ويدعو للعقاب الجماعيّ… ضدّ مجموعة من خصومه السّياسيّبن ينتمون لنفس الحزب… لأنّه يتّهم البعض من مسؤوليه باِقتراف جرائم.. فهو ينتهك مبدأي شخصيّة الجريمة… وينتهك دور القضاء دون سواه في النّطق بالإدانة… لأنّ العقاب الجماعي… هي جريمة في حدّ ذاتها لما تقترف… والمطالبة بها مشاركة فيها لما تقترف…
والعقاب الجماعي لا يتعلّق هنا فقط بالجانب القضائي… وإنّما أيضا في الحرمان من الحقوق المدنية والسّياسية مثل حقّ التنظّم والتّعبير والمشاركة السّياسية والحقّ الاِنتخابي… إلخ… ضدّ جمهور لا ناقة له ولا جمل فيما اِشتبه على اِقترافه من بعض مسؤوليه…

هولاء لا يختلفون جوهريّا عن بعضهم… لأنّهم لا يحملون مثل بعضهم قيم ومبادئ حقوق المواطنة… وحقوق الإنسان… مثل بن علي…
هذا ما نصّ عليه الدّستور التّونسي.. دستور الثّورة… وهو من اِستحقاقاتها…
وكما يقول المثل… ما يحسّ الجمرة كان إلّي عفس عليها… هؤلاء الّذين واجهو يوميّا الاِستبداد… زمن الاِستبداد أكثر من غيرهم…

وهذا ينطبق اليوم أيضا على التّنظيم السرّي… وحركة النّهضة…
من يطالبون اليوم بحلّ حركة النّهضة… الّتي لها جمهورها وجزء من المواطنين أتباعها… لهم نفس الحقوق المدنيّة والسّياسية مثلهم… بدعوى الاِشتباه في اِقتراف تهم خطيرة لبعض مسؤوليها… أضاعو البوصلة المواطنيّة… وبدون أن يدروا أصبحوا رديفا لهؤلاء الّذين اِستراتيجيّتهم إرجاع نظام الاِستبداد والرّعية…
فحذاري… مهما كانت فضاعة الجرم وخطورته.. لا تسقطوا في المشاركة في نسف مقوّمات الدّولة الدّيمقراطية…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: