الرئيسية | لحظة أولى | بقلم الأستاذ رياض الشعيبي: هل يمكن للفوضى أن تكون حلاًّ

بقلم الأستاذ رياض الشعيبي: هل يمكن للفوضى أن تكون حلاًّ

image_pdfimage_print
رياض الشعيبي*

الأستاذ رياض الشعيبي*

لن أناقش مفهوم الفوضى من منظور فلسفي فأنا أعرف أنّ فقهاء الفلسفة وحدهم من يستطيع أن يُحِلّ الحرام ويُحرِّم الحلال بإعطاء طابع منطقي أو بسحبه عن أيّ شيء كمجرّد الحديث عن “الفوضى الخلاقة”. أمّا في واقع الحياة فلا قيمة إلاّ للأحقّية من جهة شرعية أيّ فعل ما، وللصّلوحية من زاوية النّجاعة والفائدة. ذلك أن الدعوات المتكررة للفوضى باعتبارها حلاّ للأزمة الحالية في تونس، لم تتضمّنها فقط أدبيات الجماعات الإرهابية العدمية، أو لوبيات الفساد المستفيدة من ضعف الدولة، إنّما بات ذلك واضحا في خطاب مجموعات سياسية وإيديولوجية، بعضها في انسجام تام مع إستراتيجيتها في التغيير، ولذلك حافظت على نفس الخطاب منذ الثورة، والبعض الآخر اضطرارا أمام يأسها من تغيير موازين القوى بسرعة تجعلها المستفيد الأكبر منها. بل تبدو بعض القوى السياسية في الحكم وكأنّها تدفع للفوضى من أجل التبرير للتخلص من شراكتها مع أطراف أخرى.
يبدو إذن وكأن المشهد الغالب على الساحة السياسية بات يراهن على الفوضى من أجل تحقيق أهدافه السياسية، رغم تناقض هذه الأهداف إلى حد التنافي. فالمراهنون على الفوضى باعتبارها حلا، يستفيدون من استفحال الأزمة الحالية للادعاء بأنّه لا يوجد حلّ ولذلك يجب أن نغيّر قواعد اللعبة.

لكن قبل أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، دعنا نغوص في تحليل هذا الواقع المتأزم المدفوع عن قصد أو المتشكل ذاتيا لنفهم مفردات هذا الرهان على الفوضى. فما من شك في أن ما نعيشه من انسداد سياسي واجتماعي بعد ست سنوات من ثورة الحرية والكرامة، منذر بأزمات مؤسساتية وشعبية خطيرة. فمسار التوافق السياسي الذي سلكته بعض القوى الحزبية انتهى أخيرا إلى حيث كان المنطلق، الانقسام والتجاذب الحاد وحتى الخطابات الاقصائية من هنا وهناك. وعوض أن نشهد استقرارا مؤسساتيا ضروريا لإدارة الدولة، بتنا نعيش على وقع رِدّة سياسية ودستورية تحت ذريعة عدم ملائمة الدستور البرلماني للوعي الجمعي الشعبي الرئاسي. وما ذلك إلا تنقيبا عن المسوّغات للعودة لنمط الدولة التسلطية التي ثار عليها الشعب التونسي بعد أكثر من خمسة عقود من تأسيسها. فرأينا رئيسا للجمهورية يتجاوز صلاحياته في العلن قبل السر، ينطلق في ذلك من ارتباطه بنموذج مؤسس دولة الاستقلال الحبيب بورقيبة، وهو يحدّث نفسه أنه سيكون المؤسس الثاني للدولة التونسية؛ آخر حلم يتعلق بستاره وقد أدرك خريف العمر. وفي ذلك وأد لحلم التونسيين في أن يكونوا أصحاب دولتهم، لا سلطة فيها تعلو على سلطتهم. فلقد أصبح رئيس الجمهورية المؤتمن على حسن تطبيق الدستور والضامن للنظام الجمهوري، هو العائق الأوّل اليوم أمام استكمال تنزيل الدستور التونسي، في الواقع، باغتصابه لصلاحيات بقية المؤسسات السيادية، والمهدد للجمهورية، بما أضفاه من تدخل مباشر وغير مباشر في الصراع السياسي، لاسيما داخل حزبه من أجل تقوية نفوذ عائلته السياسي، فضلا عن النفوذ المالي الذي بدأ يتعاظم بما يعيد لذاكرتنا صورة بائسة عن نظام المخلوع. ومرة أخرى يتحول الحكم في تونس إلى إدارة للمصالح وتوزيع للمواقع داخل الدولة وتخطيط لاستدامة الاستمرار في السلطة، بعيدا عن الانشغال بوضع حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المواطن التونسي. والمتابع لاهتمامات رئيس الجمهورية وحاشيته يتبين بوضوح حقيقة المشاكل والأولويات التي يشتغل عليها. في حين تبقى مآسي مئات آلاف الشباب العاطل عن العمل، والعزلة والتهميش الذي تعاني منه عديد الجهات، والأزمة الاجتماعية المطلة برأسها من خلال ميزانية 2017، كل ذلك لا يعنيه في شيء، بل يعتبرها قضايا هامشية أمام قضيته الرئيسية متمثلة في التخلص من شريكه في التوافق وترتيب الأرضية لاستمرار نفوذ عائلته المستقبلي.

في مقابل ذلك، تتزايد حدة الأزمة الاجتماعية، الناتجة في جزء منها، عن خيارات اقتصادية حكومية أثبتت فشلها في تونس منذ ربع قرن، والناتجة في جزء آخر على تفشي الفساد ما أفسد كلّ ممكنات المجتمع لصناعة نهضته الشاملة، والناتجة في جزء ثالث على هيمنة خارجية على مقدرات هذا الشعب واستغلالها بشكل غير عادل وتحويل البلاد إلى سوق استهلاكي لمنتجات مستوردة بديلة عن نظائرها الوطنية. واليوم تزداد معدلات البطالة بشكل غير مسبوق، وينحصر الشعور بالانتماء الوطني لدى فئات مهمشة واسعة الانتشار بسبب الفشل في مهمة الإدماج الاجتماعي، ويتحول كل ذلك إلى شعور عام باليأس والإحباط بعد أن تكررت تصريحات المسؤولين الرئيسيين في الدولة من عجزهم على تقديم حلول ناجزة لهذه المشاكل. ما يزيد في تأزيم هذا الوضع هو عدم تبلور بديل حتى الآن يقلب موازين القوى في البلاد، ويفرض روزنامة انتخابية تكرس التداول على السلطة، في وقت لم يعد للسلطة الحاكمة فيها أية قدرة على إدارة البلاد. وفي الحقيقة، فإنّ حداثة العمل الحزبي المفتوح في تونس ساهم في تعطل تشكيل هذا البديل، فرغم انحصار شعبية أحزاب التوافق الحكومي، إلا أن أسبقيتها التنظيمية، وليس انتشارها الجماهيري، مثّل سبقا مهما في معركة موازين القوى في الواقع. ورغم أن مجموع أحزاب التوافق الحكومي، في نوايا التصويت لا يتجاوز الآن ثلث المستجوبين، فضلا عن أغلبية تفوق نصف الناخبين لا تنوي التصويت أصلا، رغما عن ذلك فإن تفوقها التنظيمي، وبناءها الهيكلي يمكنها حتى الآن من الاستمرار في مقدمة القوى السياسية في البلاد. كما أن الحداثة التنظيمية للقوى السياسية الصاعدة وهشاشة بناءها الهيكلي، وعدم امتلاكها منابر تستطيع من خلالها إيصال صوتها ونشر رؤيتها، كل ذلك ساهم بشكل حقيقي، زيادة على أسباب أخرى داخلية وخارجية، في تجميد العملية السياسية، حتى بدا وكأننا إزاء ديمقراطية يمينية محافظة هدفها تحويل الصراع من المجال غير السياسي إلى الفضاء السياسي دون تغيير حقيقي في موازين القوى. لكن ما ينغص على رواد الديمقراطية التوافقية المتأزمة في تونس فرحتهم، هو تفجر الوضع الاجتماعي وعدم استقرار الوضع الإقليمي، هذا طبعا ينضاف إليه عدم الإيمان الحقيقي من طرف بعض هذه القوى بالتوافق منهجا للعمل المستقبلي.

في الحقيقة، إن الرهان على الفوضى يستبطن خلفيات إيديولوجية وسياسية مفسرة لمثل هذه المقاربات على غرار:

  • الإيمان العميق بالعنف والإقصاء باعتباره آلية ناجعة وسريعة لتغيير موازين القوى والهيمنة على الخصوم. وليست عقلية إدارة الدولة التسلطية من بورقيبة إلى بن علي ببعيدة عن هذه المقاربة، خاصة عندما نجد منظرين وفاعلين رئيسيين في ممارسة العنف والاجتثاث، قد عادوا اليوم ليصبحوا من أركان السلطة السياسية بعد انتخابات 2014. مثالنا على ذلك واضع نظرية “تجفيف المنابع” الذي أصبح مستشارا لدى احد الرئاسات الثلاث، وغيره كثر. لكن نظرية العنف باعتباره حلاّ، مرتبطة أيضا بالقدرة على التغيير الاجتماعي، فبعض المقولات الإيديولوجية التي خبرناها جيدا ومسلكية سياسية لبعض الأطراف التي تُسوِّق لخطاب العنف والإقصاء من منظور إيديولوجي، تحفر منذ سنوات بؤرا للتوتر تريد أن تحوله إلى حالة من الفوضى التي تعتقد أنها ستغير حتميا موازين القوى لصالحها.
  • اليأس المرّ من إمكانية التغيير في أفق زمني معيش، يجعل من أصحاب هذه الخلفية قادرين على تحقيق استفادة شخصية رمزية أو مادية، من أية عملية تغييرية. فالتسرع واللاتاريخية هي ما يدفع البعض لاعتبار الفوضى حلا، باعتبار الفوضى تفسح المجال لانقلاب في موازين القوى بعيدا عن الشروط الذاتية خاصة المؤهلة لقيادة هذا التغيير، وليس ذلك لنقص في المؤهلات ولكن لضعف في الاقتدار أحيانا.

في اعتقادي، إن هذا الإيمان بالعنف أو/والإحساس بالعجز هو ما يدفع لهذا النمط من التفكير اللاتاريخي، الذي يرى أنه ما من حلّ إلاّ الفوضى. لكن أي تنظير للفوضى، أو دفع في اتجاهه لا يمكن أن يتضمن أي أفق سياسي مفتوح، ولا يمكن إلاّ أنّ يعود بنا سريعا للاستبداد والديكتاتورية، مهما كان شعارها ثوريا أو نمطيا على منوال دولة الاستبداد، ولا يمكن حتى أن يحافظ على الحد الأدنى من العيش المشترك. بل إن ما نلاحظه من توافق على استدامة الأزمة والدفع للفوضى “الخلاقة”، قد لا يغير فقط من قواعد اللعبة، وإنما قد يجعلنا نفقد الشروط الضرورية لأية لعبة ممكنة.

*رياض الشعيبي؛ مفكّر وسياسي من تونس

مقالات الرّأي لا تعبّر إلاّ عن وجهة نظر أصحابها

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: