أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / اِنطباعات على هامش عرض الهربة

اِنطباعات على هامش عرض الهربة

Spread the love

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

هي مسرحيّة من إخراج وتمثيل غازي الزّغباني بمشاركة نادية بوستّة ومحمّد حسين قريّع عن نصّ لحسن الميلي تعرض في فضاء لرتيستو وهي ملفتة للاِنتباه لأنّها تتناول قضيّة التطرّف الدّيني. الطّريف في الخطّة الدّراميّة للمسرحيّة هو وضع المتطرّفين وجها لوجه وفي حيّز مكانيّ محدود ومغلق.

الحبكة تنطلق من متطرّف فارّ من البوليس الّذي يلاحقه فيلتجئ اِضطرارا إلى حجرة مومس في المبغى ليختبئ عندها، البناء الدّرامي قائم على مفارقة الجمع بين متناقضين أو متضادّين.

من نقاط القوّة في هذا العمل

فضلا عن حرفيّة الممثّلين، من مواطن القوّة الاِلتقاء الإنساني بين الشّخصيّتين في لحظة صفاء، هو وجد عندها الأمان والسّكينة وهي وجدت لديه إنسانيّتها المفقودة. لم ينقطع هو عن تديّنه ولا هي عن مهنتها، خلافا للنّهايات النّمطيّة “أن تهتدي على يديه للفضيلة أو تدخله عالم المتعة المحرّمة”. كانت نهايةً أقرب إلى الواقع الّذي لا يساعد المومسات على بناء مسار حياة جديدة خارج عالم البغاء كما أنّ نقيض التطرّف هو التّفكير المتوازن والاِندماج الاِجتماعي السّليم وليس بالضّرورة التحلّل الأخلاقي.

وبين نقطة البداية والنّهاية مواقف ركحيّة بين الملهاة والمأساة. تشنّج وعسر تواصل وحوار واِستماع متبادل كانت فيه المومس الطّرف الفاعل وصاحبة المبادرة والسّطوة. كيف لا وهي في حجرتها في مجالها الحميمي بينما ضيفها دخيل يختلف عن بقيّة الزّبائن القادمين على عجل بحثا عن إطفاء شهوة يغادرون بمجرّد قضاء حاجتهم، وربّما يغادرون قبل قضائها كما حصل مع الشّخصيّة الثّالثة، الزّبون الّذي جاء ليعوّض ما لا توفّره زوجته الّتي تبقى في عينه شريفة ومحلّ اِحترام مقابل اِحتقاره للمرأة الّتي يزورها لتملأ النّاقص لديه.

ضيفها خائف يبحث عن الأمن والدّفء. وهي بغيّ تبحث عن رجل بكر يمكّنها من متعة اِفتضاض بكارته، متعة لذاتها خارج معايير التّسليع الجنسي، وكان لكليهما ما أراد.

من نقاط الضّعف في هذا العمل

كان يفترض أن يفضي التّواصل الحميمي بين الشّخصيّتين إلى الإفضاء والبوح واِستدعاء السّياقات الّتي حفّت بمسار كلّ واحد منهما وأفضت به إلى الحال الّتي هو عليها، لكنّ الحوار لم يبلغ إلى العمق ولم نفهم منه كيف أصبح المتطرّف متطرّفا والبغيّ بغيّا، رغم عدد من القرائن الّتي تشير ضمنا إلى وجع يسكّن كليهما، فالبغيّ لا تزال تسكنها الطّفلة البريئة رغم الخبرة الفائقة في عالم الذّكور، والمتطرّف كان مسكونا بالحيرة والتّذبذب والاِضطراب رغم تكوينه العلمي الجيّد، ليس أكثر من ذلك.

ربّما لم تكن خطّة العمل تهدف إلى تشخيص الظّاهرة وتفسيرها وتقديم رؤية ضمنيّة لمعالجتها، ربّما كان القصد فنّيا دون رسائل مضمونيّة مباشرة سوى ما تحقّق للمومس من القدرة على دفع المتطرّف إلى حلق لحيته ليبرز وجهه وذلك عبر حيلة اِدّعت من خلالها أنّها حامل منه وقايضته حلق لحيته بإسقاط الجنين الوهميّ ثمّ اِفترقا وهو يحمل ربّما صورة أكثر تنسيبا عن عالم البغايا، فالّتي اِلتقاها مومس شريفة إذ كان بإمكانها أن تبلّغ السّلطات بتواجده في حجرتها لكنّها تجشّمت مخاطر التستّر على متطرّف ملاحق من الأمن وغلق مورد رزقها طيلة الأيّام الّتي آوته فيها.

غلب التعرّي والاِنكشاف الجسدي على تعرّي الشّخصيّات واِنكشاف عقدها ومواطن الوجع والخلل والهشاشة كأنّ الفعل الجنسي كفيل بتحرير الشّخصيّات من آلامها وأزمتها وتشوّهاتها النّفسيّة والفكريّة.

في مسرحيّة “إرهابي غير ربع” للمسرحي رؤوف بن يغلان، كانت المقاربة مختلفة رغم الاِشتراك في موقف مواجهة متطرّف في الهربة من طرف مومس وفي إرهابي غير ربع من طرف مخرج مسرحيّ.

راهن بن يغلان في البناء الدّرامي على الحوار المتبادل بقصد اِستدراج الشّخصيّة للكشف عن هواجسها وقناعاتها وأوضاعها والسّياقات الموضوعيّة الّتي رافقت مسيرة حياتها… ومرّر المخرج من خلال الحوار ودون إسقاط رؤيته عن أسباب الظّاهرة ودوافعها وطرق معالجتها، بينما لم يكن الحوار في الهربة متكافئا بل كان تحت الإكراه والتّهديد والخوف من البوليس والمعصية لذلك كان متقطّعا مضطربا بدون خيط تراكميّ ناظم ينشئ حوارا تبادليّا أفقيّا.

لم يشيطن مخرج الهربة شخصيّة المتطرّف رغم المواقف السّاخرة ولم يبرزه في الصّورة النّمطيّة السّائدة ولكن جعله سلبيّا في البناء الدّرامي وجعل للمومس عليه سطوة، فهي الشّخصيّة الإيجابيّة الّتي بنت كلّ المواقف وصنعتها.

بينما كان المتطرّف الإرهابي في “إرهابي غير ربع” شريكا في البناء الدّرامي وتدفّق الحوار التّفاعليّ وتراكمه، ربّما هذا ما أفضى إلى النّهاية “السّعيدة” اِستعادة الإرهابي إلى حضن الوطن.

يبقى المسرح فضاءً مميّزا لتشكيل وعي جديد بالواقع وإعادة كتابة العالم وبنائه، وفي ذلك تتفاوت قيمة الأعمال المسرحيّة.