شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | اِحتفال الجنرال “عمّار”..

اِحتفال الجنرال “عمّار”..

image_pdfimage_print

الخال عمّار

سيكون ذلك- ربّما- سنة 2048 في يوم كهذا.. الموافق للذّكرى الثّامنة والثّلاثين للثّورة.. سيكون يوما غائما كعادات أيّام جانفي.. أشجار شارع بورقيبة مشذّبة على شكل مكعّبات والمقاعد الخشبيّة ستفقد كثيرا من لونها.. أكون ساعتها شيخا ملتفّا في معطف متّخذا طريقي نحو الشّارع الرّئيس بالعاصمة أتّكئ على عصا تحملني وأحملها.. لا أعبأ بالقطط الّتي تتعاوى في غياب مزابل يوم الأحد وأحثّ الخطو رغم أوجاع البرد في الرّكبتين.. ولكنّ القلب يهزّه طرب للذّكرى!
لم يعلنوا عن ذلك في التّلفزات غير أنّي- برغم الشّيخوخة- أتذكّر جيّدا التّاريخ وأعدّ له نفسي قبل يومين: ألمّع حذائي وأهيّئ كسوتي وأضعها والمعطفَ على كرسيّ قريب وأهمل لحيتي لأكون يومها حليقا.. أضع قارورة العطر غير بعيدة وربطة العنق معقودة عليها.. وليلة الذّكرى أحرص على تناول دواء الرّوماتيزم المرّ.. وأعدّل المنبّه وأنام قرير العين.. فغدا سأذهب للاِحتفال كجنرال حرب.. رغم علمي بأنّه سيكون يوما غائما..
في طريقي لن أسمع مصادح تبثّ الأغاني الوطنيّة ولا حناجر تهتف.. فلا أستغرب كثيرا فمنذ زمن أصبح الصّمت كثيرا بين النّاس وعوّضه تعاوي القطط الّتي تغلق في وجهها مزابل مطاعم “الهنبورڨر الوطني” يوم الأثنين بعد ثمان وثلاثين خلت من ذكرى هروب الرّئيس! ولكنّي أعلم هدفي وأهتدي لمكاني..
أعدّل من نظّاراتي السّميكة حتّى لا أتعثّر في حاجز من حواجز الشّرطة الحريصة على النّظام وأتسرّب من شارع خلفيّ نحو مقهى تراعي القدرة الشّرائية لمواطن جاء يحتفل بالذّكرى!.. عليّ أن أترع برائحة القهوة وأدخّن سيجارة بعيدا عن الزّوجة وأوامر الطّبيب.. فلن يهباني عمرا جديدا.. وهذه الذّكرى كلقاء إمرأة باهرة تستحقّ!
أدخل الشّارع المهيب فتعترضني نسمة باردة تثير فيّ سعالا من الرّبو الّذي أصبح يلازمني كلّ شتاء.. وأتذكّر حماسة الشبّان الصّادحة بـ”إذا الشّعب يوما” وأعلام تونس الفتاة وزغردة الحرائر الحقيقيّات.. أتذكّر كلّ ذلك غائما كما سيكون يومها غائما كعادات أيّام جانفي! أتقدّم نحو تمثال اِبن خلدون المحاصر بين الكاتدرائية وسفارة الأعاجم بعد أن أغلقوا بقيّة الشّارع وكتبوا لافتة “اِنتبه أشغال”!.. أجد مكانا في المقعدين أمام التّمثال وأنظر فلا أرى إلاّ بضع شيوخ مثلي.. أعرفهم بالاِسم وأفتقد بعض من غيّبهم الموت.. ففي كلّ ذكرى نتناقص كحبّات مسبحة!.. حمل بعضهم علما وراح يلوّح به.. حاول بعضهم أن يرفع شعارا فخبا صوته الأجشّ.. تحاملنا لنقف في صفّ واحد وبدأنا ننشد معا نشيد الثّورة في وهن.. جاءتنا في غمرة النّشيد شرطيّة بكامل زينتها وقالت: “هيّا عيّش بابا.. الدّنيا باردة عليكم.. روّحوا يعيّشكم..”.. قام شيخ لنا يحتجّ ويذكّرها بأنّ حرّية التّظاهر مكفولة بالدّستور وكلاما آخر سوف يقوله ولن تسمعه الشّرطيّة الأنيقة وهي تدفعنا لمغادرة المكان..!
سنة 2048 يوم إثنين كاليوم ربّما.. سآخذ طريق العودة إلى بيتي لأموت هناك بعد أيّام وأشير للزّوجة أن تمسح دمعا جرى من مقلتي حتّى لا يعتقد غاسلي أنّه دمع الخوف من الموت!
كلّ ذكرى ونحن بألف خير…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .

%d مدونون معجبون بهذه: