الرئيسية | غير مصنف | الهويّات الكامنة، الهويّات القاتلة

الهويّات الكامنة، الهويّات القاتلة

image_pdfimage_print

الأستاذ نور الدين العلوي

بانت سعاد ولكن خارج قصيد البردة. لا نبيّ في المجلس يخلع على الشّاعر نحن في زمن الصّندوق الاِنتخابي والصّندوق نبيّ لذلك فقد بانت سعاد بيانا ولم تَبِنْ بَيْنًا فمنحتنا فرصة خلع البردة على لحظة من التّاريخ فضَّاحة كاشفة ذلك بيان سعاد إذ قالت يحقّ لي بالصّندوق لا بكتاب كاذب اِستوحيتموه أنتم وآباؤكم من فقر المكان إلى قصيد عادل. هذا زمن نبوءة الصّندوق.
بانت سعاد فقلبي اليوم مشغول كيف نخرج الحقّ في المدنيّة من الصّندوق إلى الفعل؟ وسعاد ذريعة لإنهاء قصص المارشال عمّار في أفق قلب المسار نحو السّخرية من سيدي تاتا ولا تسألني عن سيدي تاتا. إنّه الرّخويات الحضرية الّتي ولدت في قطن القصور فحوّلت رخاوتها إلى حقّ أبدي ضدّ جلافة العربان الزّاحفة كان يجب أن نقول الصّاعدة فالعصبيّات تنحلّ وتنبني وتصعد فتراها الرّخويات الحضرية تزحف ليكن ثمّة خيط شفيف بين سعاد والجازية الهلالية. كلتاهما تحلّ شعرها الأسود في الرّيح فتبين بيانا. وهذا بيان عن الهويات الكامنة إذ تتحوّل إلى سلاح قاتل.

المسكوت عنه لم يدفن

يوم نصب ثوّار بني يزيد خيمة الشَّعْر أمام باب قصر الحكومة كتبنا عن الثّأر الرّمزي المحمول في شكل الخيمة ومضمونها من قبل ساكنتها المغبونة ورأينا في خيمة أبناء الدّغباجي مطلب هويّة زحف منذ قرن حتّى وصل ليقرّ له بحقّه في المدينة بعد أن اِنغلقت في وجهه رغم التوسّل.
توّهتنا العاديات عن تكملة معركة الثّأر الرّمزي فقد وجدنا أنفسنا في بعض ردهات الثّورة نناقش حقّ الغلمان في ممارسة الغلمنة في الطّريق العامّ لكنّ الصّندوق أعادنا إلى مفتتح الحديث. (وفي العودة إلى السّؤال بعد ضلال مبين نصر مكين).
من له الحقّ في المدينة أو هل للجميع الحقّ في المدينة. السّؤال أعمق من حالة سعاد في العاصمة في كلّ مدينة سعاد قادمة من الأطراف المقصيّة نحو مدينة ترفضها وفي اللّحظة الّتي أكتب فيها هذه الورقة يخوض أهالي جلمة (وسط غربي) معركة بصدور عارية للحصول على حقّهم في مياه يشربونها في رمضان فالماء يستخرج من باطن أرضهم ليرسل إلى مدن السّاحل (صفاقس) فترتوي فيما يظلّ أهل الماء عطشى هذا حقّ آخر في المدينة لم يؤسّس على عدالة لذلك تستيقظ فتنه كلّما اِشتد العطش.
لقد ردمتنا السّلطة تحت خطاب الوحدة القومية الصمّاء فصار كلّ طلب عدالة نقض للوحدة القومية وصار الجميع مدانا قبل النّطق فتمّ ردم الاِختلافات لكن هل صرنا إخوة؟

لم نفعل ولا يكون لقد نشأت بؤر إقصاء في كلّ مركز حضري أو شبه حضري ضدّ ساكنة الرّيف. وكلّما اِنتقلت ساكنة الرّيف إلى المراكز حقّرت ونظر إليها بدونية كما لو أنّها قطعان تتسوّل البقاء. والغريب أنّ المراكز الفرعية المحقّرة للرّيف تتعرّض إلى نفس عمليّة التّحقير كلّما صعدت (أو نزلت) إلى مراكز أكبر.

حوّل سكّان مراكز الولايات (المحافظات) سكنهم بها إلى سبب لتفوّق على سكّان المعتمديات (فروع الولاية) كما لو أنّ سكن (العاصمة) المحلّية يشكّل هويّة خاصّة تمنح حقوقا إضافية. كان هذا السّلوك خاصّا بسكّان العاصمة القدامى ممّن جرى نعتهم بالبلْديّة فصارت كلّ سكّان مدينة بلْدية، إذ منحوا لأنفسهم نفس الحقوق الثّقافية. نفس هؤلاء البلْدية (الرّيفيين) يصيرون ريفيّين أمام بلْدية العاصمة فيعودون إلى ريفهم ليمنحوا أنفسهم صفة البلْدية على ريف يقبع في النّسيان. ثأر رمزي مقلوب عبر خوض المعركة ضدّ الأضعف هروبا من مواجهة مصدر التّحقير الأصلي. كان ذلك يتمّ ضمن الوحدة القومية الصمّاء الّتي ردمتنا تحتها السّلطة، شيء ما يذكّر بمعركة الجواري المقهورات في الحرملك. الأكثر اِستعمالا هي الأكثر شعورا بالتفوّق.
كيف تنشأ الهويّات الصّغرى نتيجة القهر السّياسي؟ وكيف لا تتحوّل إلى مقاومة ضمن التوحّد ضدّ مصدر الشرّ (التّحقير)؟.
قدرة المحقّرين على التّحقير حاسمة هنا، فالميراث التّاريخي ثقيل وقد أحسنوا اِستعماله. كان سكن المدنيّة يترجم أيضا بتملّك السّلطة تملّكا مطلقا بما في ذلك القدرة على توظيف الأطراف ضدّ بعضها وزرع الثّارات البينيّة بين القبائل وبين العروش داخل القبائل التي تحولت بعد الاستقلال إلى مدن فطمست أسماؤها القبلية تحت المسمّى الإداري ولكنّ العمق الثّقافي التّاريخي ظلّ كامنا ينبض بالحياة كبذور الشّوك. وكانت السّلطة تتمتّع بالتّحقير المتبادل، فكلّ صراع بينيّ يلهي النّاس عن متابعة ما تفعل السّلطة. وقد كانت كرة القدم إحدى أهمّ الوسائل لتعميق الشّروخ وإثارة النّعرات. وكان للثّقافة دور مهمّ في بناء صورة الرّيفي الحقير الّذي يتسوّل في المدينة بلهجته الفاحشة ومظهره البائس. ولا يزال ريفيّون كثر من فرط تحقير أنفسهم يروّجون لكونهم كائنات حقيرة وجديرة بالتّحقير، خلقت لتضحك ساكنة العاصمة، وفي كلّ رمضان يعودون فيما سيدي تاتا يكمل ترشّف قهوته على خوان مشرف على بحر جميل. كما فعل سيدنا باي تونس منذ قرنين وربّما فعل ذلك قبله الأمير الحفصي قبل أن يستنجد بالإسبان لاِحتلال بلده وإنقاذ قصره من العربان. لا يفوتنا أن نرى أنّه يجري الآن الاِستنجاد بسفير فرنسا لإنقاذ القصر ثانية من زحف العربان بالصّندوق الاِنتخابي.

بنْتم فبِنّا

قطيعة كاملة وإن تمّ التّوافق على رأس سعاد فليست سعاد إلاّ ذريعة وهي الآن تحت معصار التّفاوض السّياسي لكي تختفي مرّة أخرى لصالح سيدي تاتا ليس الشّخص هدفنا بل هدفنا الحقّ في المدينة بسعاد أو بأحمد الحفناوي الّذي بكى في الشّارع لمّا أحسّ بلحظة هويّة (هرمنا من أجل هذه اللّحظة التّاريخية) أن نشعر في مدينتنا الّتي بنيناها بدمائنا أنّنا أهلها وأنّ طرقاتها لنا نسير فيها برغبة في البقاء دون حرب ولا نحتاج إلى الحديث عن الثّارات الرّمزية.
كلّما اِقترب النّاس من السّلطة طردتهم، وليت لها حجّة من منطق أو أخلاق. من كلّ النّشاطات المحتملة لشيخ مدينة تونس لم ير ممثّل الحزب الحاكم إلاّ عسر ظهور اِمرأة في اِحتفال ليلة القدر بجامع الزّيتونة، لأنّ تقاليد الحاضرة وأهلها البلْدية لا تستسيغ ذلك. نفس الحزب يدعو إلى إلغاء نصّ قرآني قطعيّ الورود قطعيّ الدّلالة لكنّه يعجز أن يغيّر تقليد اِحتفال شعبيّ ولد في عصر الدّروشة الصّوفية.
لقد بِنتم إذ رفضتم نتيجة الصّندوق فبِنَّا إذا لم يعد بيننا وبينكم رباط من مدينة. وسنجيش للثّارات الرّمزية كلّما وجدنا فرصة لبيان، وهذا ليس من علم الاِجتماع في شيء بل هو الاِجتماع نفسه إذ يصعّد في حرب الهويّات حتّى يكون حقّ في المدينة أو نهلك دونه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: