الرئيسية / غير مصنف / الكلّ تحت رحمة الرّئيس.. حتّى الثّورة

الكلّ تحت رحمة الرّئيس.. حتّى الثّورة

Spread the love

من الأكيد أن الرئيس لم ينم ليلة التصويت الشهيرة ليس لأنه حزين ولا أظن أنه سعيد جدا بما حصل رغم أن لسان حاله يقول أمطري حيث شئت فخراجك للقصر؛ لقد كان أكيدا أن ذلك المشهد المتشابك سيؤدي لنتيجة عدمية ليس لأن نبيل القروي وحزب قلب تونس وقفا على ناصية إسقاط الحكومة بل لأن الحبيب الجملي وقف معهم منذ البداية باجتهاداته العجيبة على نفس الناصية.

وكانت النتيجة كما رأينا وكما سمعنا قبل ذلك، وليختتم القروي الحفلة بذلك الإعلان العقيم عن تشكيل كتلة الانتصار على النهضة، كتلة يراد لها أن تصبح الضامنة لمصير التونسيين عبر تقديم رؤية يعتبرها القروي حلا جذريا لمشاكل البلاد ويريد فرضها بكل الوسائل والسبل على الرئيس من خلال وضعه في زاوية الاختيار بين جملة من الشخصيات التي رضي عنها هو ومجموعة التسعين التي شكلها.
لكن أحلام مؤسس قلب تونس ليست في نظر سعيد سوى رؤية للحل من بين آلاف السيناريوهات الممكنة فليس من الممكن فرض شيء على شخص بمثل شرعية سعيد وقوة شخصيته، لذلك فما يريده القروي ليس حلما قد يستفيق إثره على وقع إحدى “لطخات” سعيد الكثيرة والتي عادة ما يصفق لها شباب تونس بكل حرارة.

يوسف والخروج من البئر

غير بعيد عن القروي يقف رئيس حكومة تصريف الأعمال وفي قلبه أغان وألحان انتصار كثيرة فقد حصُل ما لم يكسبه بالانتخابات؛ مشهد مبعثر ووحده يلعب بأضلع السياسة يشكلها كيف يشاء مرة هنا في اليمين مع النهضة ومرة في الوسط مع التيار ومرة في الهاوية مع الفساد المهم أن يحافظ على حالة اللاستقرار وإطالة عمر شبه الحكومة حكومته.. التي ينفخ في جثتها ولعله يحيي عظام حكمه وهو رميم.
من الأكيد أن الشاهد نجح في صفع الجميع.. ويحسب للرجل أنه باستثناء معركة الانتخابات لم يخسر معركة حتى مع ديناصورات السياسة التاريخيين من الفقيد قائد السبسي إلى “شهيد” النهضة وهو حي يرزق لكنه وحيد بسبب اضطراب الحركة وفشل الجواد الذي راهن عليه مكرها، زيادة على انسحاب حلفائه.

إذن فخروج يوسف من البئر هو مقدمة لمواصلة محاولة البقاء في الحكم سواء بتعيين شخص عبر مبادرة القروي أو كبوة سعيد التي قد تحدث حين يعين الشاهد رئيسا؛ وكل ما يحصل يؤكد أنه ليس مستحيلا خصوصا وأن رئيس حكومة تصريف الأعمال أثبت أنه قادر على إنهاك كل التكهنات بسيناريو اللحظة الأخيرة و”ضربة المعلم” في الدقيقة تسعين بمنطق كرة القدم.
لذلك ليس من العيب ولا من التبجح أن أقول للجميع راقبوا الشاهد فلديه ما لا أذن سمعت في السياسة ولا خطر على قلب ديناصور.. إلا أن يكون سعيد ديناصورا استثنائيا ويضع نهاية لأسطورة الشاهد.

النّهضة: وقع ما لم يكن في الحسبان

يدرك الجميع أن الشيخ بدأ يهرم وسط فتنة كبرى خسر فيها “معركة الجملي” وما زالت كربلاء كبيرة تنتظر الحركة التي وقع ما لم يكن في حسبانها حين قرر الجملي أن يلغي وجود الشيخ ويلتحق بضفة أخرى داخل النهضة.
غير أن اليوم هو يوم الرئيس ولا ملجأ للحركة سوى هذا الرجل الذي يجلس في القصر وكل شيء يأتيه بكل سهولة كما في الانتخابات تماما.. اي سحر هذا الذي يستعمله يسترهب أعين الشباب والسياسيين ويصبح قبلة لألد خصومه ” نبيل القروي” الذي قارعه في واقعة الرئاسية الشهيرة.
في هذه الثواني المتبقية من الفترة الدستورية المتبقية سيقولها سعيد مرة أخرى لا ملجأ للنهضة سوى الرئيس، فهل قدمت النهضة بين أيديها ما يجعل سعيد يقف عندها في غمار كل هذا التهافت على بابه؟ لا إجابة سوى أن النهضة أيضا كسابقيها تحت رحمة الرئيس بعد ربّ الرئيس.

التيّار في اِختبار جديد

كل من سبق في واد والتيار الديمقراطي في واد آخر هذا الكائن السياسي المتفرد في زئبقيته وقدرته على الإفلات من المسؤولية يجد نفسه هو الآخر في امتحان صعب؛ صعب جدا حتى أنه أكثر المعنيين بما سيحدث إذ أنه لو أخطأ الرئيس وانحدر إلى الرضا بحكومة نبيل القروي، فإنه سيكون في مأزق التحالف مع من هرب منهم منذ البداية (الشاهد والقروي باعتبارهما وكلاء الفساد حسب رؤية التيار). وإذا اختار الرئيس حكومة الثورة فسيكونون في مأزق آخر وهو نزع ثوب المعارضة التي تأتي بمردودها الغزير من التعاطف مع هذا الحزب.. فهل يستطيع التيار أن يبقى بعدها في دائرة الجرح، ويدخل دائرة التعديل بسلام؟

الشّعب والنّجاح بالإسعاف

حركة الشعب لم تتمالك نفسها من فرط الفرحة بسقوط حكومة الجملي حتى أن نوابها نسوا بسرعة الضوء تحالفهم “التاريخي” مع التيار الديمقراطي فنسي الشعب الحب الكبير، “بغمزة” خفيفة من عيون نبيل القروي.
غير أن خفة انتقال كتلة القوميين إلى ضفة قلب تونس لن تمنعه من الموافقة على حكومة الرئيس التي تمسكت بها قياداته طيلة الفترة الماضية وهو ما قد يعتبر نجاحا بالإسعاف للشعب ولمسيرته داخل الفضاء السياسي التونسي.

الثّورة والاِختبار الحقيقي

ورغم أن كل هؤلاء السياسيين ينتظرون موقف سعيد ورحمته بمستقبلهم السياسي إلا أن الاختبار الحقيقي لرئيس الإجماع الشعبي هو استجابته فعلا لمتطلبات ثورة 17-14، فمجرد الاستجابة لضغوطات الأحزاب السابقة سيضع سعيد خارج دائرة خطه الثوري.
اذا هي مرحلة صعبة سيمر بها الرئيس وفريقه، وستحدد هويتهم الحقيقية ..إن كانوا فعلا ممثلين للثروة أو هم مثل من سبقهم الذين انقسموا إلى نوعين؛ الأول فريق سار وراء أطماعه ونسي الهدف من وجوده في السلطة وفريق ثان انهكته الضغوطات فبقي يترنح بلا خارطة ولا طريق أصلا.

(الأستاذ عمّار عبيدي)