الرئيسية | غير مصنف | الكتابة ليست فعلا بل وسيلة اِستمرار على قيد العقل.. مواجهة الموت في عالم سياسة بكماء بلا فكرة..

الكتابة ليست فعلا بل وسيلة اِستمرار على قيد العقل.. مواجهة الموت في عالم سياسة بكماء بلا فكرة..

image_pdfimage_print

 

الكتابة ليست فعلا بل وسيلة اِستمرار على قيد العقل.. مواجهة الموت في عالم سياسة بكماء بلا فكرة..

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

في السّجن الاِنفرادي يمارس السّجين فعل الكلام بصوت مرتفع.. يغنّي.. يكلّم نفسه.. يقرأ الشّعر.. القرآن.. ذاك شكل من أشكال المحافظة على وحدة الدّال مع مدلوله لتبقى العلامات… طريقة لحفظ معاني الكلمات في الفكر.. فلا فكر بلا لغة.. وحين تموت اللّغة ينتهي الفكر.. نسيان الكلمات نهاية للعقل.. هو الجنون إذن..

في عزلته خاف روبنسون كروزوي من أن تذوي اللّغة في أعماقه فيفقد فكره (عقله).. كان يسمّي الأشياء كي لا ينسى الكلمات.. وبحكم ضيق عالم الأشياء في عزلته الّتي لا تواصل فيها مع آخر.. كانت لغته مع ذلك تضمر.. تموت.. لذلك خاف الجنون… الآخر هو من يعلمّنا باِستمرار معاني الكلمات فأنت لا تعرف معنى “أنا ضمآن” إلاّ حين يهبك الآخر قدح الماء.. عندها تفهم ما قلته ويكتشف الآخر أنّه فهم ما تريد… بالكلام قد لا نفعل لكنّنا به نبقى على قيد الحياة ككائنات عاقلة..

أعرف تماما مذ هجرت “الفعل السّياسي المباشر” أنّ من “يفعلون” حقّا على الأرض هم “قبائل الفعل السّياسي” المسمّاة أحزابا. وأدرك بلا شكّ أنّ “الكتابة” و”الكلام” في عالم “الفهلوة والحيلة” السّياسية لا فعل لهما في وضع لا يفعل فيه إلاّ “اللاّمعنى” بوسائل أخرى غير “الفكرة” تبدأ من المال إلى اللّوبيات وصولا إلى غرائز القوّة.. لا الفكرة..

لكنّنا نصرّ على الكتابة و”قول الفكرة” حتّى نبقى على قيد العقل في مشهد بلا عقل.. أن تكتب تذكيرا بالفكرة الّتي لا فعل لها هو مجرّد معركة ضدّ النّسيان.. ضدّ فقدان العقل.. ضدّ جنون سياسة يفعل فيها من لا يملك الفكرة في عالم حشود وأتباع نسيت “الفكرة”… حشود تتحرّك لا بشر يتكلّمون…

قال لي صديقي: ما فائدة ما نكتب وهم يفعلون… قلتُ: الكتابة عناد الذّاكرة في مواجهة غزو الفراغ.. النّسيان.. الصّمت.. الجنون..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: