شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | القدس بين الأربعين والسّبعين

القدس بين الأربعين والسّبعين

image_pdfimage_print

الأستاذ الهذيلي منصر

يجب على المرء أن يعترف للصّهاينة بأنّهم جهابذة. هم وكثير من الجماعات الّتي تشتغل تحت الأرض وبعيدا عن الأضواء. هي تشتغل لحساب إبليس أو به. جهابذة لأنّهم يفهمون تمام الفهم قيمة النّفس وكيف أنّ نظامها ونظام العالم سيّان. أنت تصنع عالما آخر ببناء نفس أخرى أو مختلفة وما العالم غير اِجتماع نفوس. الكثرة تنشأ من وحدة أو هي تنبثق منها اِنبثاقا. تماما كتوالد الخلايا وتعدّدها من خليّة واحدة. هذا قانون قرآني ولكنّ القرآن مهجور ولا أقصد أنّ عدد المصلّين نقص. لا هو زاد والحمد لله على ذلك لو كانت الكثرة مرادف بركة. القرآن مهجور لأنّ رؤيته للإنسان في العالم طُمست بذنب مسلمين قبل غيرهم.

المعنوية الإسلامية لا تخدم ولم تخدم سلاطين المسلمين لذلك طُمثت وطُمست. السّلطان يحكُم ويطلب خضوعا وخنوعا والمعنوية الإسلامية تحرّرية تحريرية. هذه الخلاصة ليست من المبالغة. ما علاقة خلفاء وسلاطين وملوك وأمراء الأمويّين والعبّاسيين والعثمانيّين بالإسلام وبمعنويّة الإسلام؟ لا علاقة إلّا تفصيلا ذاتيّا لا يقاس عليه. هيكليّا وعمقا لا علاقة. التّراث السّلطاني للمسلمين يعرّف بينهم تراثا إسلاميّا وليس في هذا بسيط التّوفيق. أكثر من ذلك يقدّر كثيرون أنّ هذا الميراث البشري السّياسي يرتقي إلى مستوى النّموذج ونحدّث النّفس باِستقدامه وإعادة تفعيله بعد كلّ هذه القرون. لم ننتبه إلى حقيقة أنّ المسلمين بقدر ما كانوا يمضون في بناء نظام الدّولة والحكم كانوا يخرّبون نظام النّفس. نحن نؤرّخ لاِنحدارنا بسقوط دولة الخلافة. سقوط الخلافة جلّى فقط السّقوط الأبرز والّذي كان قبل سقوط الخلافة بقرون. الحضور الضّعيف للمسلم في العالم اليوم ثمرة تهاويه النّفسي المعنوي الّذي لم يُنتبه إليه لغلبة أولوية السّلطان.

عندما يستعرض المسلم الأمجاد يذكر أمويّين كانوا أشرارا ولكنّهم فتحوا أمصارا كثيرة. ننسى شرّهم أو نغطّيه لأنّهم غزوا وفتحوا ودمّروا حصونا كافرة وأنفذوا حكم الله. لو تأمّلنا سير ملوك بني أميّة وعرضنا أخلاقهم وأفكارهم وسلوكهم على الإسلام وقارنّا نفوسهم بنفس لوّامة وثانية راضية وأخيرة مرضيّة كيف تكون الخلاصات يا ترى؟ وماذا لو عرضناهم على مثل الصدّيقية والإخلاص والتوكّل والتّقوى والإيثار؟ نذكر أيضا ونفتخر بهارون الرّشيد سلطان السّحاب وجامع الخراج ولا أحد يسأل عن هذا الرّجل كيف كان وكيف كان قلبه وكيف كان خلقه وكيف كانت علاقته بربّه؟ يكفيه فخرا ويكفينا به فخرا أنّه جيّش الجيوش وملأ خزائن بيت مال المسلمين.

لا أعتقد أنّ اِنحطاط المسلمين من الطّارئ المفاجئ السّريع. لا. هو اِنحطاط متمكّن مترسّخ بذرته نفسيّة وذهنيّة آتية من بعيد. بعيد هو بين الخطأ والخلط والتّحريف. الإسلام يفهم الإنسان من باطن إلى ظاهر ومن داخل إلى خارج ومن نقطة إلى دائرة ومن ذات إلى موضوع. هو أنجز بفضل هذه الرّؤية إنجازا تاريخيّا ضخما بوقت قياسي. بعد ذلك كان مكان، أمّة بجسد مترامية أطرافه أمّا النّفس فتحوّلت اِمبراطورية وذلك من خرابها ولا يبشّر بعمران. النّفس الإسرائيلية الصّهيونية من باطل ولكنّه باطل ذكيّ في مدى تاريخي معتبر. يكمن هذا الذّكاء في الحرص على تقوية وتمتين هذه النّفس وتخريب كلّ نفس أخرى. لا يخلو تاريخ المسلمين من سموم نفثتها الإبليسية اليهودية وهي تعلم أنّها تجني الثّمرات بعد عقود وقرون. هذه الإبليسية تتقن تعطيل البئر ولا يفتنها القصر المشيد. هي تطمث النّقطة وهي تعلم أنّ الدّائرة من دون نقطتها خواء وسراب.

لماذا هذا الحرص منها على الذّكرى السّبعين لتأسيس كيانها بفلسطين؟ وهل كانت جاهزة قبل السّبعين لتدشين ما تحضّر له من خطوات؟ لا. هناك شروط تجتمع اليوم ولم تكن كذلك قبل سنين. في الظّاهر فقط الشّروط سياسيّة، أمّا عمقا فالشّروط الأبرز والأهمّ نفسيّة ومعنوية. فعل التّخنيث فعله، وفعلت روتانا فعلها، واِنتشر طاعون الوهابية وفقدت الأمّة كلّ بوصلة وهيمنت الأنانية وساد التّتفيه وتقاتلت المكوّنات وفُتنت عقول المسلمين فتنة عظيمة. اُنظروا ردود الفعل اليوم وغدا تعلن أعظم دول العالم القدس عاصمة يهوديّة. موات ولا حياة. شعوب مخدّرة محقونة ما عادت معنيّة بقداسة وقدس ومقدّس.

لو كانت خطوة كهذه قبل عشرين سنة ما كانت لتمرّ كما نراها تمرّ. والسّؤال أيضا عن الرّبيع العربي كيف تتطوّر أو طُوّر ليوفّر مزيدا من الشّروط بما يمكّن للصّهيونية. أنا على يقين أنّ الذّكرى السّبعين مخطّط لها منذ زمن طويل لتشكّل طفرة صهيونية وتؤرخ لعلوّ صهيونيّ نوعيّ. السّبعة والأربعون والسّبعون ليست أرقاما وكفى عند من يستمدّون من الكتب القديمة، أكانت تفصّل في الله أو في الشّيطان. نعم ليس ما بعد السّبعين كما قبلها ولكن لا كما يفهم جهابذة صهاينة أذكياء إمامهم شيطان يمكر ولكنّ الكيد ضعيف. هم يبلغون السّبعين وغيرهم يبلغ الأربعين، والأربعون سنّ الأشدّ. والفاهم يفهم ومن لا يفهم سيفهم بعد حين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: