أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الفضاء الرّهيب.. جنّة وأطرافها نار

الفضاء الرّهيب.. جنّة وأطرافها نار

Spread the love
الأستاذ الحبيب بوعجيلة

لا تكفّ إدارة فايسبوك عن إعلامنا بين الفينة والأخرى أنّها قد حذفت أحد مقالاتنا أو منشوراتنا القديمة وتكون في الغالب متعلّقة بالقضيّة المركزية والصّراع الرّئيسي مع الكيان.

من الواضح تماما أنّنا في فضاء خاصّ بخطّ تحرير معلوم ومنحاز ولكنّنا نعجز عن مغادرته وقد أصبح جزءا أساسيّا من حياتنا ومشاعرنا وإحساسنا الاِفتراضي “بالوجود والحياة”.

كلّما طرأ على حسابنا الأزرق خلل أو توجّسنا عطلا أو اِختراقا إلاّ واِضطربت مشاعرنا واِهتزّ إحساسنا بذواتنا. تنطلق مشاعر الخيبة ويطغى علينا الاِرتباك ونطلب العون والمدد للعودة “على قيد الكونكسيون” و”النّشر” و”التعليق”.

على هذا الفضاء “ننشر همومنا” و”نغسل هدومنا” على “شمس طالعة وأنا فيها ذايب” (اِقتباس فاجومي). من هنا يقاس مزاج “جماهير شعوبنا العظيمة” وتعرف توجّهاتها وتنكشف خلافاتها ومواطن اِنقساماتها. وعلى هذا الفضاء تشحن الأنفس وتعبأ جبهات التّناحر الإيديولوجي والمذهبي والطّائفي والجهوي وتروّج الأكاذيب والسّطحية وتمارس الشّجاعة الاِفتراضية وتهتك الأفكار وتقزّم القيم الكبرى ويتحقّق الإشباع الغرائزي في السبّ واللّعن والإحباط وشهرة التّافهين وتصنع الاِنتصارات الوهمية وينتشر حزن الهزيمة الاِفتراضية لعدم الحصول على “جامات” كثيرة أو بسبب تطاول أحد النّكرات على رموز نحبّها أو شخصيّات نجلّها فلا يهدأ لنا بال حتّى نردّ صاع السبّة صاعين من تدوينات وتعاليق “نكوّر فيها” بمن “شلبقنا”.

في المقابل أتاح هذا الفضاء توزيع سلطة المعرفة والتّعبير والاِحتجاج والقدرة على التّعبئة فلم تعد حكرا على أحد ممّن يملك المال ووسائل الإعلام التّقليدي. وفي هذا الفضاء اُنتظمت نداءات الحراكات الشّعبية وفضحت مظاهر الاِستبداد والهيمنة. هذا صحيح. ولكن بأيّ ثمن؟… ثمن قيمة المعرفة باِعتبارها مجالا مقدّسا يجب أن يقتصر على من بذل الجهد لاِمتلاكها وثمن قيمة الوجاهة باِعتبارها سيرة ينحتها صاحبها من تاريخ كفاح ونضال فعليّ على الأرض لا على ذبذبات سبرانية وثمن قيمة الوحدة الوطنية ورفعة القضايا المركزية عنوانا لاِهتمام الأمّة نحصّنها من ولادة الهويّات القاتلة الّتي أطلقتها فوضى الخطاب بما هي حرّية زائفة.

إنّها مفارقة رهيبة في هذا السّجن النّاعم الّذي تتربّع فيه بإرادتها شعوب أمّة مولى عليها ومحتلّة على جميع الواجهات وأوّلها واجهة وسائل الإعلام والاِتّصال وصناعة العقل. ولله الأمر من قبل ومن بعد….