أخبار عاجلة
الرئيسية / غير مصنف / الظّرفيّة الاِقتصاديّة/ كورونا ينهك اِقتصاد العالم

الظّرفيّة الاِقتصاديّة/ كورونا ينهك اِقتصاد العالم

Spread the love

على الرّغم من تحرّك مجلس الاِحتياطي الفيدرالي خلال عطلة نهاية الأسبوع لخفض أسعار الفائدة وشراء سندات الخزانة ، فإنّ الأسواق حول العالم تراجعت الإثنين الماضي على أيّ حال. ويهدّد فيروس كورونا بإحداث عدوى مالية في الاِقتصاد العالمي مع نقاط ضعف مختلفة للغاية عمّا كانت عليه عشيّة الأزمة المالية العالمية  قبل 12 عاما.

يقع العالم مجدّدا فريسة للدّيون تماما كما حصل إبّان اَندلاع الأزمة الكبيرة الأخيرة. إلاّ أنّ أكبر مجموعات الدّيون وأكثرها خطورة قد تحوّلت من الأسر والبنوك في الولايات المتّحدة، الّتي تمّ تقييدها من قبل المنظّمين بعد الأزمة، إلى الشّركات في جميع أنحاء العالم.

ويقول روشير شارما، كبير الاِستراتيجيين العالميين في Morgan Stanley Investment Management “بينما تتعامل الشّركات مع اَحتمال التوقّف المفاجئ في تدفّقاتها النّقدية، فإنّ الأكثر تعرّضا هو جيل جديد نسبيّا من الشّركات الّتي تكافح بالفعل لدفع قروضها. تتضمّن هذه الفئة ما يطلق عليهم الأموات الأحياء “الزّومبي”، وهي الشّركات الّتي تكسب القليل لسداد مدفوعات الفائدة على ديونها، والبقاء على قيد الحياة فقط من خلال إصدار ديون جديدة.

الواقع البائس للمطارات المهجورة والقطارات الخالية والمطاعم المشغولة رهيبا يضرّ بالنّشاط الاِقتصادي. وكلّما طالت مدّة الوباء زاد خطر تحوّل الاِنكماش الحادّ إلى أزمة مالية مع قيام شركات “الزّومبي” ببدء سلسلة من التخلّف عن السّداد، مثلما فعلت الرّهون العقّارية عالية المخاطر في 2008.

قروض وقروض

على مدار القرن الماضي كانت حالات الرّكود دوما متقاربة اَستمرّ خلالها اَرتفاع أسعار الفائدة. في حين  أنّ الضّرر الّذي يلحقه تفشّي فيروس بالاِقتصاد العالمي عادة لا يستمرّ أكثر من ثلاثة أشهر. واليوم وباء كورونا الّذي يحدث مرّة واحدة في القرن يضرب الاِقتصاد العالمي المثقل بمستويات قياسيّة من الدّيون.

تستيقظ البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم على اَحتمال أن تؤدّي الأزمة النّقدية إلى أزمة مالية، كما حدث في عام 2008. ولهذا السّبب اَتّخذ مجلس الاِحتياطي الفيدرالي تدابير تخفيف صارمة الأحد الماضي مقتبسة من التّعامل مع أزمة 2008. في حين أنّه من غير الواضح ما إذا كانت إجراءات مجلس الاِحتياطي الفيدرالي ستكون كافية لمنع الّذعر الّذي يجتاح الأسواق حاليا من التّفاقم أكثر، إلاّ أنّه يجدر التّساؤل، لماذا يشعر النّظام المالي بالضّعف الشّديد مرّة أخرى؟

يقول روشير شارما، إنّ ديون العالم بدأت في الاِرتفاع بسرعة عام 1980، إذ بدأت أسعار الفائدة في الهبوط وكان من السّهل إقراض القيود المالية المحرّرة. تضاعفت الدّيون ثلاث مرّات لتصل إلى ذروتها التّاريخية بأكثر من ثلاثة أضعاف حجم الاِقتصاد العالمي عشيّة أزمة 2008. اِنخفض الدّين في ذلك العام لكنّ أسعار الفائدة المنخفضة القياسية سرعان ما غذّت سلسلة جديدة من الاِقتراض.

تمّ تصميم سياسات الأموال السّهلة الّتي اِتّبعها الاِحتياطي الفيدرالي، الّتي تمّت موازنتها بواسطة البنوك المركزية حول العالم، للحفاظ على نموّ الاِقتصاديات وتحفيز الاِنتعاش من الأزمة. وبدلا عن ذلك ، ذهب جزء كبير من هذه الأموال إلى الاِقتصاد المالي، بما في ذلك الأسهم والسّندات والاِئتمان الرّخيص لشركات غير مربحة.

مع اَستمرار التوسّع الاِقتصادي عاما بعد عام، أصبح المقرضون أكثر تراخيا بشكل متزايد، إذ قدّموا قروضا رخيصة للشّركات ذات التّمويل المشكوك فيه. واليوم وصل عبء الدّيون العالمية إلى أعلى مستوى له على الإطلاق.

 مستويات دين قياسيّة

يبلغ مستوى الدّين في قطاع الشّركات الأميركية 75 في المائة من النّاتج المحلّي الإجمالي للبلاد، محطّما الرّقم القياسي السّابق الّذي سُجل عام 2008. وترتفع أعباء الدّيون بشكل غير مستقرّ في الشّركات الأميركية الكبيرة العاملة بقطاعات السيّارات والسّياحة والنّقل إلى جانب الصّناعات الّتي تعرّضت لضربة مباشرة من فيروس كورونا.

يختبئ داخل سوق ديون الشّركات الّتي تبلغ قيمتها 16 تريليون دولار العديد من مثيري الشّغب المحتملين، بما في ذلك “الزومبي”. إنّها النّبع الطّبيعي لفترة طويلة من أسعار الفائدة المنخفضة القياسية، الّتي دفعت المستثمرين إلى مطاردة مضطربة لمنتجات الدّيون الّتي تقدّم مكافأة أعلى مع مخاطر أعلى.

يمثّل بنك “الزومبي” الآن 16 في المائة من جميع الشّركات المتداولة علنا في الولايات المتّحدة، وأكثر من 10 في المائة بأوروبا، وفقا لبنك التّسويات الدّولية. تكشف نظرة على البيانات أنّ “الزومبي” منتشر بشكل خاصّ في صناعات السّلع الأساسية مثل التّعدين والفحم والنّفط، الّتي قد تتسبّب في اِضطرابات قادمة لصناعة النّفط الصّخري، الّتي أصبحت الآن محرّكا مهمّا للاِقتصاد الأميركي.

لتجنّب اللّوائح المفروضة على الشّركات العامّة منذ 2008، أبرم الكثيرون صفقات خاصّة عادة ما تثقل كاهل الشّركة بديون ضخمة. تمتلك الشّركة الأميركية العادية المملوكة لشركة أسهم خاصّة ديونا تساوي ستّة أضعاف أرباحها السّنوية، وهو مستوى ضعف ما تعتبره وكالات التّصنيف “غير مرغوب فيه”.

تتضاعف علامات ضغوط الدّيون الآن في الصّناعات الّتي تأثّرت بفيروس كورونا، بما في ذلك النّقل والتّرفيه، والسيّارات، وربّما الأسوأ من ذلك كلّه النّفط. هناك تخوّفات من أن يتسبّب تفشّي الوباء في اِنهيار الطّلب. ومن ناحية أخرى بسبب مخاوف من وفرة المعروض، رأينا في الأسابيع الماضية كيف اَنخفضت أسعار النّفط إلى ما دون 35 دولارا للبرميل، وهو مستوى منخفض للغاية بالنّسبة للعديد من شركات النّفط لسداد ديونها وفوائدها.

على الرّغم من أنّ المستثمرين يطالبون دائما بعوائد أعلى لشراء السّندات الصّادرة عن الشّركات المهتزّة ماليا، فقد تضاعفت الأقساط الّتي يطلبونها على الدّيون الأميركية غير المرغوب فيها تقريبا منذ منتصف فيفري الماضي. منذ أسبوعين كانت الأقساط الّتي يطلبونها من الدّيون غير المرغوب فيها لشركات النّفط تقترب من المستويات الّتي شوهدت في الرّكود.

تراجع الثّروات.. تراجع الصّين

عندما تنخفض الأسواق، يشعر الملايين من المستثمرين بثروات أقلّ ويقلّلون من الإنفاق. ويتباطأ الاِقتصاد. وكلّما اَرتفعت الأسواق، بالنّسبة للاِقتصاد، كلّما اَزداد “تأثير الثّروة” السّلبي. منذ 1980 تضاعفت الأسواق المالية العالمية (الأسهم والسّندات بشكل رئيس) أربع مرّات إلى أربعة أضعاف حجم الاِقتصاد العالمي، أعلى من المستويات القياسية السّابقة الّتي تمّ تسجيلها في 2008.

ولا يزال هناك من يأملون في أن يمرّ الأسوأ بسرعة بالنّظر إلى التطوّرات المشجّعة في الصّين، حيث تمّ الإبلاغ عن الحالات الأولى لفيروس كورونا في مدينة ووهان الصّينية في 31 ديسمبر، وبلغ معدّل النموّ في الحالات الجديدة ذروته في 13 فيفري، بعد سبعة أسابيع فقط. بعد الخسائر المبكّرة، اِنتعشت سوق الأسهم الصّينية مرّة أخرى وبدا أنّ الاِقتصاد يفعل الشّيء نفسه. لكنّ أحدث البيانات، الّتي صدرت عن مبيعات التّجزئة والاِستثمار الثّابت، تشير إلى أنّ الاِقتصاد الصّيني من المقرّر أن ينكمش في الثّلاثي الأوّل من العام الحالي.

لم تعد الصّين في مركز الصّدارة، حيث ينتشر الفيروس في جميع أنحاء العالم، هناك مخاوف متجدّدة من أنّ الأزمة قد تعود إلى شواطئها من خلال الإضرار بالطّلب على الصّادرات. على مدى العقد الماضي، تضخّم ديون الشّركات في الصّين أربعة أضعاف إلى أكثر من 20 تريليون دولار، أكبر نوبة في العالم. ويقدّر صندوق النّقد الدّولي أنّ عُشر هذا الدّين في شركات “الزّومبي”، الّتي تعتمد على الإقراض الموجّه من الحكومة للبقاء على قيد الحياة.

وكلّما طالت مدّة اَنتشار فيروس كورونا في وتيرته الحالية، زادت اِحتمالية أن يبدأ “الزومبي” في الموت، ممّا يزيد من ضغط الأسواق، ويزيد من خطر اِنتشار العدوى المالية.

في أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك الولايات المتّحدة، تتزايد الدّعوات لواضعي السّياسات لتقديم دعم حكومي مماثل لقطاع الشّركات الهشّ. بغضّ النّظر عمّا يفعله صانعو السّياسة.