شريط الأخبار
الرئيسية | لحظة أخبار | أخبار دولية | الصّومال وأزمة الخليج

الصّومال وأزمة الخليج

image_pdfimage_print

لقد اِمتدّ الخلاف بين دول الخليج ذات الأنظمة الملكية إلى الصّومال، حيث باتت هذه الدّولة الهشّة الآن عالقة بين المصالح المتعارضة لقطر والإمارات العربية المتّحدة. لقد أدّى هذا التّنافس أصلا إلى تفاقم النّزاعات الصّومالية الدّاخلية. لذلك ينبغي على جميع الأطراف أن تتراجع قليلا قبل أن تتصاعد هذه التوتّرات أكثر فأكثر.

الملخص التّنفيذي

ما الجديد؟ لقد اِمتدّت الخصومات الكامنة وراء الأزمة الّتي ضربت مجلس التّعاون الخليجي في جوان 2017– خصوصا بين الإمارات العربية المتّحدة من جهة وقطر، وبالتّالي تركيا من جهة أخرى– اِمتدّت إلى القرن الأفريقي، وأدّت بشكل خاصّ إلى مفاقمة عدم الاِستقرار في الصّومال، فقد تصاعدت التوتّرات بين مقديشو وأبو ظبي بشكل حادّ.

لماذا حدث ذلك؟ تقول الحكومة الصّومالية بقيادة الرّئيس “فرماجو” إنّها تبقى على الحياد في الخصومة القائمة بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي؛ غير أنّ الإمارات العربية المتّحدة تعتبر حكومته قريبة أكثر ممّا ينبغي من قطر. يبدو أنّ أبو ظبي زادت من دعمها للأقاليم الصّومالية، أو الولايات الاِتّحادية. وبالمقابل لجأ “فرماجو” إلى تعميق علاقاته مع الدّوحة وأنقرة وقمع خصومه.

ما أهمّية ذلك؟ من المؤكّد أنّه لا يمكن أن تعزى جميع مشاكل الصّومال إلى الأزمة الخليجية. إلاّ أنّ التّنافس بين القوى الخليجية وتركيا أدّى إلى تضخيم النّزاعات الصّومالية الدّاخلية. مع تردّي العلاقات بين مقديشو وأبو ظبي، يمكن لتلك النّزاعات– الّتي تقف فيها حكومة “فرماجو” ضدّ الفصائل المنافسة لها في مقديشو وضدّ الولايات الاِتّحادية وجمهورية أرض الصّومال– أن تتصاعد.

ما الّذي ينبغي فعله؟ ينبغي على الحكومة الصّومالية أن تبقى حيادية حيال النّزاعات الدّاخلية في مجلس التّعاون الخليجي والتّصالح مع خصومها الصّوماليين. كما يمكن لقطر وتركيا تشجيع مثل تلك المصالحة. وينبغي على الإمارات العربية المتّحدة التّنسيق مع مقديشو فيما يتعلّق بكلّ مساعداتها واِستثماراتها في الصّومال. يجب إعطاء الأولوية لإجراء مباحثات بين أبو ظبي ومقديشو– ويمكن لمسؤولين سعوديّين أو من الاِتّحاد الأوروبي أن يقوموا بدور الوسطاء.

قد أضافت الخصومات المريرة الكامنة وراء الأزمة القائمة بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي تطوّرا جديدا وخطيرا يضاف إلى عوامل عدم الاِستقرار في الصّومال. لقد أدّت المنافسة بين الإمارات العربية المتّحدة، من جهة، وقطر، وبالتّالي تركيا، من جهة أخرى إلى مفاقمة النّزاعات الصّومالية الدّاخلية القائمة منذ زمن طويل؛ أي بين الفصائل الموجودة في العاصمة؛ وبين مقديشو والأقاليم؛ وبينها وبين جمهورية أرض الصّومال الّتي تعتبر نفسها مستقلّة. لقد تدهورت علاقات أبو ظبي مع حكومة الرّئيس محمد عبد الله محمد “فرماجو”؛ فحكومة “فرماجو” تتّهم الإماراتيين بتمويل خصومها وتحريض المعارضة، خصوصا في الولايات الاِتّحادية الصّومالية. أمّا المسؤولون الإماراتيون فينكرون التدخّل ويتّهمون “فرماجو” بالوقوع تحت نفوذ الدّوحة وأنقرة. ينبغي على الجميع التّراجع خطوة للخلف والتّفكير قليلا. على حكومة “فرماجو” أن تلتزم بحيادية صارمة في النّزاع بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي وأن تسعى للتّصالح مع خصومها الصّوماليين. كما ينبغي على الإمارات العربية المتّحدة أن تتعهّد بتنسيق مساعداتها ومصالحها التّجارية مع مقديشو. ينبغي جعل إجراء محادثات بين الحكومتين الصّومالية والإماراتية مسألة ذات أولوية.

بعد الأزمة الخليجية في جوان 2017، الّتي شهدت قطع العلاقات الدّبلوماسية بين السّعودية والإمارات العربية المتّحدة وعدد من حلفائهما، من جهة، وقطر من جهة أخرى، وفرض حصار اِقتصادي عليها، واجه الرّئيس “فرماجو”، الّذي كان قد وصل إلى السّلطة قبل أشهر فقط، ضغوطا سعودية وإماراتية مكثّفة يذكر أنّها دفعته لقطع علاقاته مع الدّوحة. أصرّ “فرماجو” أنّه يفضّل ألاّ ينحاز إلى أحد الجانبين. لكن بالنّسبة للإمارات فإنّ التّقارير الّتي ذكرت أنّ الرّئيس كان قد تلقّى أموالا قطرية قبيل اِنتخابه وقيامه بتعيين مسؤولين معروفين بأنّهم حلفاء وثيقين للدّوحة دحض اِدّعاءاته بالحيادية. كانت أبو ظبي تخشى من أنّ زيادة الدّعم القطري والتّركي للحكومة الصّومالية من شأنه أن يشجّع السّياسيين الإسلاميين– الّذين تعتبر نفوذهم تهديدا بينما تنزع الدّوحة وأنقرة إلى التّعاطف معهم– ومن أنّها، وسط التّنافس الشّديد على النّفوذ حول البحر الأحمر وخليج عدن، كانت تتراجع أمام خصومها الجيوسياسيين الرّئيسيين.

ردّا على ذلك، يبدو أنّها زادت من دعمها لفصائل صومالية أخرى وللولايات الاِتّحادية الصّومالية. بالمقابل، أظهرت حكومة “فرماجو” نزعة اِستبدادية متزايدة، مستخدمة العلاقات المزعومة لخصومها مع الإمارات العربية المتّحدة لتبرير قمعهم. وبالنّظر إلى خبرتهم الطّويلة في اِستغلال الاِنخراط الخارجي في بلادهم، فإنّ السّياسيين الصّوماليين من جميع المشارب اِستغلّوا الخصومة المتزايدة لأهدافهم الخاصّة.

يتقاطع التوتّر المتصاعد بين الإمارات العربية المتّحدة وما تعتبره حكومة مدعومة من قطر وتركيا في مقديشو مع عدد من خطوط التصدّع الصّومالية. أدّت أوّلا إلى تضخيم النّزاعات القائمة بين الحكومة والفصائل المنافسة لها في العاصمة، ما أدّى إلى إضافة المزيد من التّعقيد إلى أزمة تعصف بالبرلمان الصّومالي وكانت على وشك التحوّل إلى العنف في أواخر العام 2017. في مطلع العام 2018، داهمت الحكومة منازل ومكاتب اِثنين من منتقديها البارزين، متّهمة إيّاهما بتلقّي الأموال من الإمارات. كما أنّ العلاقات المتدهورة بين الحكومة الصّومالية والإمارات قد تزيد من مخاطر النّزعة الفصائلية داخل قوّات الأمن الصّومالية؛ حيث يتّهم مسؤولون صوماليون الوحدات المدعومة من الإمارات بتجاهل الأوامر (تقول أبو ظبي إنّ جميع القوّات تعمل تحت قيادة وزارة الدّفاع الصّومالية).

الأمر الأكثر خطورة هو تردّي علاقات “فرماجو” مع الولايات الاِتّحادية الصّومالية. بالنّظر إلى أنّ حكومته رفضت الاِبتعاد عن قطر، فإنّ الولايات الاِتّحادية، وبعضها تعتمد على الاِستثمارات الإماراتية وغاضبة من أنّ مقديشو سلكت مسارا في الأزمة الخليجية تعتبره تلك الولايات متعارضا مع مصالحها، أصدرت موقفا علنيا يتعارض مع موقفه. في اِلتفاف على العاصمة، يبدو أنّ بعض تلك الولايات سرّعت المفاوضات مع شركة موانئ دبي العالمية (DP World)– وهي شركة إماراتية كبرى يُعتقد أنّ أنشطتها تخدم الأهداف الاِستراتيجية لأبو ظبي– على صفقات تقضي بقيام موانئ دبي العالمية بتطوير وإدارة موانئها. وقد شهدت الشّهور الأخيرة اِتّهامات واِتّهامات مضادّة ساخنة بين كبار المسؤولين الحكوميين وقادة الولايات الاِتّحادية، الّذين قام بعضهم بزيارات في توقيت اِستفزازي إلى أبو ظبي.

كما يمكن لمواجهة مريرة بين مقديشو وإقليم أرض الصّومال المنشقّ أن تكون خطيرة أيضا. في مارس، أدّى وضع هرجيسا للمسات أخيرة على عقد خاصّ بها مع موانئ دبي العالمية، تقوم الشّركة بموجبه بتطوير ميناء بربرة في جمهورية أرض الصّومال، إلى ردّ فعل غاضب من مقديشو. اِحتجّت حكومة “فرماجو” لدى الجامعة العربية قائلة إنّ الاِتّفاق يشكّل اِنتهاكا لسيادتها. وسنّ البرلمان الصّومالي قانونا يحظر على موانئ دبي العالمية العمل في الصّومال، مستهدفا بذلك ليس العقد المتعلّق ببربرة فقط، بل أيضا جميع الصّفقات المحتملة بين الشّركة والولايات الاِتّحادية. زعيم أرض الصّومال، موسى بيهي عبدي، أشار إلى محاولة مقديشو منع التوصّل إلى الاِتّفاق بأنّه إعلان حرب.

في أفريل 2018، وصلت العلاقات بين مقديشو وأبو ظبي إلى أسوأ حالاتها، عندما قام المسؤولون الصّوماليون بمصادرة ملايين الدّولارات من طائرة إماراتية في مقديشو، حيث اِعتبروا وجود الأموال دليلا على تدخّل أبو ظبي. طبقا لمسؤولين إماراتيين، فإنّ الأموال كانت موجّهة لقوّات الأمن الصّومالية الّتي تدفع الإمارات رواتب أفرادها منذ وقت طويل. يشير أولئك المسؤولين إلى سنوات من الدّعم الإماراتي للقوّات الصّومالية الّتي تحارب القراصنة وحركة الشّباب– وهو دعم رحّبت به الحكومات الصّومالية المتعاقبة. وبالنّظر إلى شعورها بالإحباط حيال عملية الاِستيلاء على الأموال هذه، أوقفت أبو ظبي مشاريع المساعدة، وسحبت جميع موظّفيها وتخلّت عن قاعدة مقديشو الّتي كانت تدرّب فيها قوّات الأمن الصّومالية. مع تدهور العلاقات بين حكومة “فرماجو” وأبو ظبي، يمكن لأيّ من النّزاعات الصّومالية الدّاخلية– في مقديشو؛ أو بين حكومة “فرماجو” والأقاليم؛ أو بين الحكومة وجمهورية أرض الصّومال– أن تتصاعد.

على جميع الأطراف التّراجع عن مواقفها قبل أن يحدث ذلك. ينبغي على الحكومة الصّومالية أن تبقى حيادية في النّزاع بين الدّول الأعضاء في مجلس التّعاون الخليجي وتبنّي مقاربة أكثر تصالحية مع خصومها، بما في ذلك إعادة إحياء المفاوضات مع الولايات الاِتّحادية وإعادة تحديد موعد لاِجتماع كان مخطّطا له سابقا بين “فرماجو” وموسى بيهي. كما لا ينبغي لدول الخليج أن تسمح للخصومة الّتي قسّمت مجلس التّعاون الخليجي بأن تزعزع اِستقرار دول أضعف. ينبغي أن تكون أبو ظبي مستعدّة للدّخول في محادثات مع حكومة “فرماجو” وتنسيق مساعداتها واِستثماراتها معها في سائر أنحاء البلاد. كما يمكن لقطر، ولتركيا على وجه الخصوص، الّتي تمنحها اِستثماراتها في الصّومال نفوذا كبيرا، أن تدفع مقديشو نحو التوصّل إلى تسوية مع خصومها في العاصمة، ومع الأقاليم الاِتّحادية ومع أرض الصّومال. ويمكن للمسؤولين السّعوديين أو مسؤولي الاِتّحاد الأوروبي، الّذين يبدو أنّهم يتمتّعون بثقة مقديشو وأبو ظبي على حدّ سواء، أن يقوموا بأعمال الوساطة بين الطّرفين.

من الواضح أنّه لا يمكن إلصاق جميع مشاكل الصّومال بدول الخليج. كان من المحتمل دائما أن يتلاشى التّفاؤل الّذي ولّده اِنتخاب “فرماجو” في مطلع العام 2017 بسبب الممارسات السّياسية القبلية الشّائكة في البلاد واِستمرار تمرّد حركة الشّباب. إلاّ أنّ الخصومات الخليجية أدّت إلى تفاقم الوضع. من غير المرجّح للسّياسات الصّفرية الّتي تتّبعها الحكومة الصّومالية والقوى الخارجية أن تنتهي نهاية حسنة. سيستمرّ طغيان النّزعة الفصائلية في الصّومال بشكل لا يسمح لأيّ محور بفرض هيمنته. إنّ القوى الخليجية– وأكثر منها حكومة “فرماجو” وخصومها الصّوماليين– سيخسرون جميعا من اِنعدام الاِستقرار الّذي يحدثه التّنافس فيما بينهم. أمّا الرّابح فمن المرجّح أن يكون حركة الشّباب.

(مجموعة الأزمات الدّولية)

للاِطّلاع على الدّراسة كاملة وفي لغتها الأصلية، اُنقر هنا: https://d2071andvip0wj.cloudfront.net/260-somalia-and-the-gulf-crisis_0.pdf

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*