شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | السّياسة: موطن شغل أم اِنشغال وطن

السّياسة: موطن شغل أم اِنشغال وطن

image_pdfimage_print

الاحزاب

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

الأستاذ الحبيب بوعجيلة

يغضب المحازبون مما يروّجه “المغرضون” و”المتآمرون على السّياسة” والأحزاب بتشويه سمعتها وتعميق اِهتزاز الثّقة الشّعبية فيها ليخلو الجوّ للأجهزة واللّوبيات الّتي تحنّ إلى اِستبداد بلا أحزاب ولا سياسة.
هذا صحيح فكلّما اِهتزت الثّقة في السّياسة والأحزاب وهجر عموم النّاس الاِهتمام بالشّأن العامّ أصبح الطّريق سالكا أمام الفاسدين والمستبدّين وأجهزتهم لاِستعادة نظام يعمل بلا “ساحة سياسية”.

لكنّ الغضب لا يكفي إذ لا بدّ من “جاذبية” أخلاقية ومشاريعية تقنع التّونسيين أنّ هذه الأحزاب ليست مجرّد حوانيت وظائفية تحوّلت سريعا بعد الثّورة إلى مجرّد “أدوات” في ديمقراطية فاسدة تسيرها اللّوبيات والأجهزة والقوى الخارجية.

على مستوى المشاريع لم تعد الأحزاب التّونسية بما فيها أحزاب التيّارات التّاريخية الكبرى من إسلاميين ويسار وليبيراليين وطنيين إلاّ ماكينات اِنتخابية وصراع على الحكم.
باِسم البراغماتية ونهاية عصر الإيديولوجيا لم نعد نعرف مشاريع هذه الأحزاب ولا هويّتها الفكرية إذ تستطيع أن تراها تترنّح من منصّة إلى أخرى بلا “رادع فكري” ولا “حصانة وطنية” غير حسابات الرّبح والخسارة لتتحوّل السّاحة السّياسية إلى مجرّد أرصفة تبدو فيها الأحزاب بمثابة “واقفات رصيف” (تروتوز) تنتقل بسلاسة من مستنقع إلى آخر بلا ملامح ولا قسمات مميّزة، فالماكياج واحد واللّباس الفاتن يتمّ اِقتناؤه من نفس المغازة.

من طريف السّياسة التّونسية أنّ المراكز الدّولية للتّنمية الدّيمقراطية تعقد دورات موحّدة لتدريب شباب وكوادر الأحزاب على طرق الدّعاية والتّنافس والتّنظيم فيلتقي اليساري مع اليميني في دورة تكوين واحدة ليخرج لمنافسته بما تعلّماه من نفس المدرّب.

على المستوى الأخلاقي يكتشف المنتمون إلى الأحزاب تدنّي الممارسات الدّاخلية في إدارة الأحزاب كشركات باِسم المؤسّساتية والعصرانية حيث تعوّض الزّبائنية العلاقات الرّفاقية والأخوية الّتي من المفروض أن تحكم “الجماعة السّياسية” ذات المشروع. ولذلك تتكاثر الاِنشقاقات وتتعاظم الإحباطات والخيبات، وتصيب الصّدمات الصّادقين وهم يكتشفون طريقة حياة الزّعماء وعائلاتهم وكيفيّة تربّح القيادات والكوادر والأتباع المقرّبين من “العمل الحزبي”.

يدرك الجميع (باِستثناء الدّراويش من أصحاب النيّة الطيّبة من الأتباع والأنصار والمريدين) أنّ “الحزبية” في تونس ما بعد الثّورة تماما مثل العمل الجمعياتي أصبحت مجرّد “مشاريع اِستثمار” و”سلّم اِرتقاء اِجتماعي” للأذكياء والمهفّات أكثر من كونها مشاريع وطن.

أن يسبّ الإعلام المغرض أو لا يسبّ فحقيقة الأحزاب للأسف تنكشف يوما بعد آخر كجزء من وضع نخره “الفساد” إلى العظم. وبطول الوقت سيكتشف النّاس أنّ “الجماعات” و”الأحزاب” الّتي تنتصر اليوم وسيكون لها المستقبل في معركة الشّرف والبناء العربي هي أحزاب المشاريع الوطنية والأخلاق حيث يكون القائد زاهدا ويكون المنخرط مشروع شهيد وشاهد. أمّا أحزاب المقاولات في مشاريع صناعة الاِنتقال “الدّيموخراطي” فلن تذهب إلى أكثر من “عجوز رصيف” ذهبت مفاتنها في سوق “البغاء السّياسوي”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: