أخبار عاجلة
الرئيسية / لحظة سياسيّة / الرئاسيّات الأمريكية .. درس جديد في منطق التفضيل الانتخابي
لازالت الرئاسيات الأمريكية ترخي بظلالها على واقع الحياة الأمريكية بتزايد عدد المدن التي اجتاحتها تظاهرات تندد وترفض ترئيس الفائز بانتخابات المندوبين بالولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب. كأزمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود. ولا زالت شخصية الفائز تحظى باهتمام الباحثين من مختلف دول المعمور. كما أن عملية انتصار الرجل على الماكينة الإعلامية الأمريكية الضخمة والقوية مسألة تحتاج إلى دراسات أكاديمية دقيقة. حسب إحصاءات أمريكية أوردتها قنوات عربية وغربية متعددة، فإن أكثر من 300 قناة إعلامية أمريكية ساندت السيدة هيلاري كلينتون، بينما لم تساند ترامب إلا وسائل إعلامية قليلة لا يتجاوز عددها عشرا. كما أن تلك الوسائل الإعلامية كانت تركز على أخطاء ترامب وتتصيد عثراته لتبثها وتعلق عليها، في حين تجند ترامب بنفسه لفضح مثالب منافسته. وقد كان إلى حدود قريبة من إعلان النتائج النهائية بالنسبة للمندوبين أمر تفوق المرشحة الديمقراطية شبه مؤكد، لكن بمجرد الإعلان عن نتائج فلوريدا التي آلت إلى ترامب بدأت حظوظ كلينتون تتناقص. وأصبحت حظوظ ترامب وافرة للفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في أغرب انتخابات أمريكية منذ عقود طويلة حسب المتتبعين.

الرئاسيّات الأمريكية .. درس جديد في منطق التفضيل الانتخابي

Spread the love

ترامب

محمّد القادري*

محمّد القادري*

لا تزال الرئاسيات الأمريكية ترخي بظلالها على واقع الحياة الأمريكية بتزايد عدد المدن التي اجتاحتها تظاهرات تندد وترفض ترئيس الفائز بانتخابات المندوبين بالولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب. كأزمة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ عقود. ولا زالت شخصية الفائز تحظى باهتمام الباحثين من مختلف دول المعمور. كما أن عملية انتصار الرجل على الماكينة الإعلامية الأمريكية الضخمة والقوية مسألة تحتاج إلى دراسات أكاديمية دقيقة.
حسب إحصاءات أمريكية أوردتها قنوات عربية وغربية متعددة، فإن أكثر من 300 قناة إعلامية أمريكية ساندت السيدة هيلاري كلينتون، بينما لم تساند ترامب إلا وسائل إعلامية قليلة لا يتجاوز عددها عشرا. كما أن تلك الوسائل الإعلامية كانت تركز على أخطاء ترامب وتتصيد عثراته لتبثها وتعلق عليها، في حين تجند ترامب بنفسه لفضح مثالب منافسته. وقد كان إلى حدود قريبة من إعلان النتائج النهائية بالنسبة للمندوبين أمر تفوق المرشحة الديمقراطية شبه مؤكد، لكن بمجرد الإعلان عن نتائج فلوريدا التي آلت إلى ترامب بدأت حظوظ كلينتون تتناقص. وأصبحت حظوظ ترامب وافرة للفوز بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في أغرب انتخابات أمريكية منذ عقود طويلة حسب المتتبعين.
يبدو أن الإعلام الأمريكي المتفوق كونيا سقط هذه المرة أمام إرادة الناخب الأمريكي، ونحن حين نتحدث عن الإعلام فإننا نتحدث عن منظومة واسعة ومتنوعة ومعقدة من الوسائل والوسائط الإعلامية. استطلاعات الرأي التي كانت بنسبة كبيرة تصب في صالح المرشحة الديمقراطية، بالإضافة إلى دعم كبار السياسيين الأمريكيين، ومساندة كبار الفنانين والرياضيين، ناهيك عن القنوات التلفزية والصحف الكبرى ومواقع التواصل الاجتماعي، والدعم الدولي الذي حظيت به هيلاري كلينتون ماديا ومعنويا. لكن ساعة الحسم كانت مخيبة بنسبة كبيرة للآمال والنتائج التي بنيت عليها حملة هيلاري كلينتون الانتخابية. فهي جمعت لحملتها من الأموال أضعاف ما جمعه ترامب. وحسب مواقع إعلامية فإن هيلاري كلينتون جمعت 30 أضعاف ما جمع دونالد ترامب لحملته، فقد أوردت بعض القنوات الإعلامية أن هيلاري كلينتون قدر مبلغ حملتها بـ 134 مليون دولار في حين لم يبلغ رقم ترامب سوى 5 ملايين دولار. وإن كان قد خسر حسب تصريحه في الانتخابات التمهيدية من ماله الخاص 55 مليون دولار. ورغم هذا الفرق الشاسع بين المبلغين فإن النتيجية كانت صادمة. لماذا؟ وكيف؟
يبدو أن وعي الشعب الأمريكي حدثت فيه تغيرات كبيرة، وخاصة وعي البيض منهم الذين يعتبرون أنفسهم الوريث الشرعي لقارة الهنود الحمر. خاصة وأن أقدس مقدسات المواطن الأمريكي هو نمط عيشه -son mode de vie-، فالمس بنمط حياته يعتبر خطا أحمر لا يقبل تجاوزه. ومعلوم أن الأزمة الاقتصادية والمالية لا تزال ترخي بظلالها على الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن الوفود الجديدة لمختلف المهاجرين يقلص من فرص الشغل بالنسبة للبيض، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لمصدر رزقهم ومنافسة غير وطنية بالنسبة للمواطن الأمريكي الأبيض. وإذا كان الملونون، وخاصة منهم اللاتين والأسيويين قد ساندوا هيلاري كلينتون، فإن السود حسب مجمل التقارير تلكؤوا في الإدلاء بأصواتهم. بينما كان البيض في الموعد، فهم الفئة المستهدفة من قبل النيوليبراليين الذين تمثلهم مرشحة الحزب الديمقراطي التي تعتبر مرشحة مستهلكة شخصيا وإيديولوجيا. وقد كان لتركيز دونالد ترامب على الشؤون الداخلية لبلاده، ومحاولته النأي بنفسه عن الصراعات الخارجية، وهو ما لايشكل تقليديا اهتماما بالغا بالنسبة للمواطن الأمريكي الذي يحترم ذاته ويقدس حياة الرفاه والرغد. قلت كان لتركيز دونالد ترامب على القضايا المحلية دور هام في استقطاب أصوات أخرى غير أصوات البيض. خاصة أولئك الذين يعتبرون أنفسهم مواطنين أمريكيين من الملونين ولا يكترثون للتقسيمات العرقية والدينية والمذهبية. بينما كان الإعلام يشيطن دونالد ترامب ويحصي مساوئه وأخطاءه، ويعري عن علاقاته الشخصية، فإن المواطن الأمريكي كان اهتمامه مركزا على من يستطيع انتشاله من ضائقته المالية والتنفيس عليه في حياته الباذخة التي تراجع مستواها. وهو ينظر في شخص دونالد ترامب شخصية عصامية استطاعت بناء نفسها بنفسها والمحفاظة على ثروة أبيه ومضاعفتها أضعافا كبيرة. ترامب نفسه كثيرا ما عاتب الإعلام واتهمه بالتحيز لصالح غريمته، وهو الرجل الإعلامي سابقا، فهو يعلم علم الخبير طبيعة الإعلام الأمريكي، فقد اشتغل في برامج عدة لتخريج المشهرين والمنعشين العقاريين الذين كان يوظفهم في شركاته، كما اشتغل لفترة في برامج ملكة جمال الولايات المتحدة الأمريكية وامتلك حقوق منافسة ملكة جمال الكون لعدة سنوات، وقام بلعب أدوار في مجموعة من الأفلام والمسلسلات الأمريكية. هو إذن يدرك حقيقة الإعلام الأمريكي من الداخل، ويعرف ما ينتظره المواطن الأمريكي وما يميل إليه. وهو نفس ما غفل عنه الإعلام الأمريكي. فرغم ضخامة الإعلام الأمريكي، وماكينته القاهرة فإن دونالد ترامب استطاع هزمه، وإحداث الدهشة والصدمة في كثير من المراقبين الأمريكيين أنفسهم. وخاصة منهم الإعلاميين.
لقد سقط فريق هيلاري كلينتون في فخ الغرور الذاتي، والانجرار وراء الوصلات الإعلامية التي لم تكن تصل إلى عموم الأمريكيين، أمام داهية أبان عن إستراتيجية أسطورية في دحر أعدائه، ولن ننسى طريقة تغلبه على منافسيه من حزبه، أي الحزب الجمهوري أثناء الانتخابات التمهيدية، حيث صرح الكثير من الجمهوريين أنفسهم بعدم التصويت له والتصويت لمنافسته ورغم ذلك فإنه في النهاية تفوق عليها وبفارق شاسع. رغم أن الإعلام إمبراطورية أخطبوطية في الولايات المتحدة الأمريكية يصعب دحرها وهزمها، إلا أن ترامب استطاع بمفرده وبحسب شهادات متعددة هزمه. وهنا تكمن عبقرية الرجل السبعيني، الذي تخلص أكثر من مرة من عمليات إفلاس محققة. لكن ورغم ذلك فإن اللعبة السياسية وخاصة في الجانب الأمريكي لعبة ذات أبعاد معقدة ودقيقة، إذ لا يمكن التسليم بجرة قلم أن الرجل وحده استطاع قهر منظومة مؤسسة على معادلات رياضية جد معقدة.

*محمّد القادري؛ كاتب تونسي (من أسرة لحظة بلحظة)