شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | الخطاب والذّاكرة

الخطاب والذّاكرة

 

اعتصام الرحيل

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

أستمع إلى خطاب المعارضة الرّاديكاليّة في البرلمان الّذي يجد هوى في نفسي الّتي لا تزال مشدودة لكلّ الآمال والطّموحات الّتي فجّرتها الثّورة في قلوبنا وعقولنا، كما أتّفق مع هذا الخطاب في تشخيصه للوضع السّياسي ومكوّنات المجتمع السّياسي وهويّتها ومرجعياتها…

كما تستثيرني صيحات التّحذير والتّشهير والنّكير إزاء العودة المتصاعدة لمن كانوا مكوّنا عضويا من مكوّنات المنظومة القديمة دون أن يقدّموا نقدا ذاتيّا أو مراجعات أو ما يفيد تغيّرا في الوعي والسّلوك السّياسي.

كلّ هذا الخطاب يعبّر عن شجاعة وجرأة في التّعبير عمّا يعرفه الجميع دون الحاجة إلى جهد أو ذكاء في الكشف عنه، لكن كلّما اِستمعت إلى هذا الخطاب قفزت إلى ذهني تلك الأسئلة المؤرقة:

متى اِكتشفت المعارضة الرّاديكاليّة حقيقة الأطراف الّتي تحذّر اليوم من عودتها؟
ألم تكن هذه المعارضة هي نفسها الظّهر الّتي اِعتلتها هذه الأطراف على طريقة “ستّي إن أعياك أمري فاِحمليني زقفونة” حتّى تجتاز صراط الثّورة إلى برّ الأمان السّياسي لتكون رافعة لعنوان الإنقاذ بعد أن كانت مستهدفة بإنقاذ الشّعب من مخلّفات سياساتها واِنتهاكاتها الّتي قامت من أجلها الثّورة؟

كانت التعلّات وقتها قائمة على أساس الحاجة إلى تحالف يمين حداثي ويسار حداثي في مواجهة عدوّ الحداثة ونمط المجتمع واُعتُبِرت المعركة معركة وجود، وتحت هذه التعلّة أوقف المسار السّياسي والتّأسيسي والاِنتقال الدّيمقراطي ودخلنا في نفق لا نزال نحاول الخروج منه.

المعارضة الّتي أقامت فرزا بهذا الشّكل وضمن هذه الأولويّات لماذا تصادر اليوم حقّ مخالفيها في التّفكير بنفس المنطق وبناء أولويات وفرز بنفس المعايير للحفاظ على وجودهم وأمنهم؟

كان يفترض أن يكون الفرز على أساس الحفاظ على مسار الثّورة مهما كانت أهميّة الفرز الأيديولوجي والثّقافي، لكن من اِختاروا فرزا آخر واِصطفافات على حساب الثّورة مارسوا كلّ أشكال الاِلتفاف وقطع الطّريق على مسار أنتجته الثّورة ولم يُفرَض من الخارج بل وساهموا في إضعاف هذا المسار وتخريبه وفي نفس الوقت تقوية الأطراف المُستَهدَفة اليوم بالإدانة والتّشهير والمثيرة للعويل والنّدبة.

يجب أن تتحمّل هذه المعارضة مسؤوليّة ما جنته على البلد بكلّ شجاعة ورجولة وأن لا تتقمّص موقف العفّة والطّهرانيّة والعذريّة والبكارة الثّوريّة كأنّ ذاكرة النّاس مثقوبة. كلّ الصّراخ والعويل واللّطم والتّطبير السّياسي الّذي يعبّر عنه هذا الخطاب هو من قبيل كربلائيّات أهل الكوفة الّذين خذلوا ثورة الحسين ثمّ اِنخرطوا في اِستثمار رأسمال الضحيّة وتوجيه أصابع الاِتّهام لقتلته الّذين كانوا عونا لهم عليه.

يوما ما سيخفّ ضجيج خطاب الاِنفعال والتشنّج الاِصطفافي وسيدوّن تاريخ تونس ما بعد الثّورة وسيكتب صفحات عن رصيد كلّ طرف في بناء أو تخريب هذا المسار الّذي أنفقت فيه فئات واسعة من الشّعب عقودا من الصّبر والتّضحيات والنّضالات والشّهداء.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*