شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | الجمر والرّماد

الجمر والرّماد

image_pdfimage_print

الأستاذ الهذيلي منصر

كانت سنوات جمر بداية التّسعينيات وقد طالت السّنوات على الجميع وعلى بعضهم من المعارضين أكثر.

كانت سجون وكانت منافي وكان حصار وتضييق في الأرزاق. كانت نظرة المسجونين والمجوّعين للمنفيّين أنّ الأخيرين من ذوي الحظوظ. قد يكون ذلك ولكن في حدود.

على اِمتداد أكثر من عشرين سنة اِنتشر آلاف المعارضين التّونسيين في أكثر من عاصمة ومدينة بين أروبا والخليج وبعضهم بلغ نيويورك وبعضهم اِحتمى بجنسية مضيّفيهم. هل تُرك هؤلاء لحالهم أحرارا يسرحون ويمرحون. ماذا كان نصيب صالح كركر من المنفى؟ كثيرون اِبتعدوا وطلّقوا السّياسة ربّما يأسا منها وربّما عجزا أمام التّعقيد. بعض بعض بقي وفيّا أو هكذا نحسن ظنّا به.

بقي أنّ الأكيد أنّ المخابرات عبثت بكثير من الأوفياء. هي مخابرات وكفى ولا يعنيني التّفصيل في جنسيّات هذه المخابرات. هناك من يرى اِرتباطه بدوائر الخليج أهون من اِرتباط بغربيّين. هذا من الوهم والتّزييف فكلّ الخليج مسخّر للغربيّين. كانت مواقف وتصريحات وبيانات لمتحزّبين تونسيين خلال السّنوات الماضية لا تفسّر بغير الاِرتباط بخارجيّين وبما يجودون به من توجيهات وتعليمات.

خرجوا جمرا وعاد الكثير منهم رمادا! هذا مفيد لبناء الوعي وهذا مفيد جدّا لإعادة تركيب المشهد التّونسي منذ 56. هل كان بورقيبة وهل كان بن علي من الاِستثناء؟ هل صحيح أنّ عملاء حكموا وأنّ شرفاء حرموا الحكم؟

أرى أنّ السّياسة في تونس الآن تبلّغنا أقدارا من العمالة عجز عنها بورقيبة وبن علي. أرى أيضا أنّ السّياسة في تونس تأخذ البلاد إلى لبرلة أبعد توحّشا. لست ضدّ جلد الاِستبداد ولكن لماذا نجلد الاِستبداد؟ نحن نجلد سياسات الاِستبداد عبر جلد الاِستبداد والمستبدّ.

ما الحاصل الآن؟ الحاصل أنّنا نفسح المجال للسّياسات الّتي اِرتبطت بالاِستبداد بربطها بديمقراطية وثورة. من يهاجم هذه السّياسات اليوم وعيا بخطرها أو تضرّرا منها يُقال فيه أنّه ضدّ ثورة وديمقراطية وبه حنين إلى الاِستبداد. الّذين عارضوا الاِستبداد هم اليوم فرسان هذا الدّجل وربّما كانوا يجهّزون لهذا الدّور وهم يعارضون متحمّسين.

هل بدأ تاريخنا السّياسي في تونس سنة 56 بصراع بورقيبة، عنوان عمالة، وبن يوسف، عنوان وطنية؟ كان بإمكان الاِستعمار قلب الأدوار ولكنّه لا يحتاج. الرّجلان سيّان وما تفرّع عنهما من عناوين سيّان. السيّارة تسير ومن حين لحين يغيّر الإطار. لا نملك معه سيّارة ولم نعبّد الطّريق. الاِستعمار شبيه هارون الرّشيد ولا فرق عنده بين سحب تشرّق وسحب تغرّب فالخراج إليه. ونحن بهذا السّياق يجهد البعض في إحياء سؤال الاِستقلال. جميل ومفيد ولكن من من السّياسيين المتصدّرين اليوم يؤتمن في قضايا الاِستعمار والاِستقلال؟ الآن جماعة قطر في صراع مع جماعة الإمارات. ايه وتونس وين؟ ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*