شريط الأخبار
الرئيسية | غير مصنف | الجزائر والمفترق

الجزائر والمفترق

image_pdfimage_print

الأستاذ الهذيلي منصر

مشهد الرّئيس بوتفليقة على كرسيّ متحرّك مشهد مؤلم فهذا الرّجل وعلى تلك الحالة رمز لبلد ودولة ومجتمع. ولا يتعلّق الأمر بدولة وكفى فالجزائر بلغت مستوى عال من الرّمزية بثورة مجيدة دشّنتها منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وتتوّجت اِستقلالا مستحقّا. الرّجل من ذلك الجيل الذّهبي المناضل. كان شعلة نشاط وعطاء وتميّز بمتانة التّكوين والفصاحة المُفحمة وسرعة الردّ عند الاِستفزاز. حضر إلى الدّيبلوماسية الجزائرية زمن بومدين وشكّل مدرسة ما جعل الجزائر تحضر وسيطا موثوقا إلى ملفّات شائكة عديدة. غاب مدّة طويلة ولمّا عاد كان له دور فعّال في إطفاء نيران فتن عديدة. هذا الرّجل مقعد الآن في وقت تحتاج الجزائر وقوفا مضاعفا. شفى الله الرّجل فليس القصد الوقوف عنده وإنّما التّفكير في الوضع الجزائري.

مرّت الجزائر بسنوات طويلة عصيبة حفرت في ذاكرتها عميقا وطبعت بعيدا الأمزجة والنّفسيات. النّظام أيضا تأثّر وصار همّه البقاء ومنع تهاويه وتهاوي الدّولة. كان بالإمكان رؤية الجزائريين يبدعون حلولا آخر الثّمانينيات ولكنّهم لم يوفّقوا إلى ذلك. لا النّظام كان في بنيته قادرا على التّجاوز ولا المعارضة الّتي ملأت الشّوارع كانت قادرة فقد كانت أقرب إلى الحماسة المتشنّجة والغوغاء. ليس جيّدا بقاء نظام لم يتجدّد ولكن لو خلفه الإسلاميون ماذا كانوا سيصنعون بالجزائر؟ على ضوء ما تكرّس خلال السّنوات الماضية يمكن القول أنّ الإسلامية ليست أقلّ كارثيّة من الأنظمة الّتي حشدت بالاِحتجاج عليها. لم تجد مجتمعاتنا العربية التّأليف المطلوب بعدُ لتقلع. وليس معلوما إن هي وجدت إن كانت ستتركُ تدير أمرها حرّة مستقلّة. القول الحاسم بأنّ مشكلتنا فساد أنظمة وكفى قد لا يكون دقيقا. أصبحت أعتقد أنّ كلّ نظامنا الاِجتماعي فاسد بما يمنع أن يكون في السّلطة نظام غير فاسد. هذا أقرب إلى المأثور: كما تكونون يولّى عليكم.

المشكلة أنّ مجتمعاتنا وهي على هذه الحالة تستهدَف اليوم أفظع وأخطر اِستهداف. يتعلّق الأمر باِستهداف قد يستأصلها ويلقي بها في العدم. عبث بالحدود، مشاريع تقسيم، تطاول صهيوني غير مسبوق، عبث بالثّروات وتشتّت وخلافات لا عدّ لها. هل سيستقيم بعد سنوات قليلة الحديث عن عرب والسّؤال عنهم مجرّد سؤال؟ هنا تبرز أهمّية الجزائر المؤهّلة حجما للعب دور مّا حجما ورمزية تاريخية وثروة وسعة جغرافيا وكثافة ديمغرافيا. هذا الدّور الجزائرى بين محتشم ومفقود الآن وهو دور يحتاج جرأة على الاِقتحام والهجوم. ما نراه أنّه ومنذ حقبة التّسعينيات اِختار الجزائريون الثّبات في الموقع والدّفاع. هل هكذا هي الخيارات؟ أم أنّه ليس بالإمكان أحسن ممّا كان؟

الجزائر مركز مهمّش وقوّة رابضة وممكنات مغلولة. مركز عربي إسلامي هامّ ومركز الشّمال الإفريقي. تحيط بها الأطماع وتخترقها وتتطلّع نحوها أجندات الطّاقة والأمن والنّفوذ وتترصّدها الجماعات. هي تدرك كلّ هذا ولا شكّ ولكن هل هي قادرة على التّماسك ساعة تحين ساعة التّمحيص؟ الله أعلم. الأكيد أنّ تطوّر وضعها سيحسم ملفّات عديدة منها إذا لم يكن أوّلها الملفّ التّونسي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: