الرئيسية / منبر حر / الثورات العربيّة؛ المنطلقات والمخرجات والمآلات

الثورات العربيّة؛ المنطلقات والمخرجات والمآلات

Spread the love

images-3

بقلم: محمد القادري*

حين سقط من سقط، وهرب من هرب، وقتل من قتل، من حكامنا الفاسدين تنبأ الكثيرون بمزيد من الشطب والكنس في حق حكام خونة قذرين آخرين، فانتبه البعض ممن احتفظوا بكراسيّهم الوثيرة إلى دقة المرحلة وخطورتها عليهم وعلى المشاريع التي يعتبرون أنفسهم وكلاءها المخلصين عليها، في خدمة مفضوحة وممجوجة لأسيادهم، فقاموا ببعض البهرجات والخدع السينمائية وأضافوا بعض الطلاء الرخيص على دساتيرهم. بينما اعتمدت دول المال والبترول على مضاعفة الأجور وتخصيص إعانات مالية مجزية، وتقديم تسهيلات في كل المجالات، والزيادة في الجرايات. في حين كان سقف الثورات ومطلب الشعوب هو تغيير أنظمة تجاوزها التاريخ بقرون على جميع المستويات وأخص بالذكر منها المستوى الحقوقي والسياسي. وبعد نجاح الثورة التونسية والمصرية -في مرحلة أولى- وقبل أن يتم سرقتها، بينما كان نصيب ليبيا تمزقا وتشتتا وحروبا من أجل عائدات النفط، من قبل ميليشيات معظم أفرادها لم يخبروا مفهوم الدولة كنظام ومؤسسات، وتوزع ظل القذافي في أصلابهم، وصارت ليبيا موزعة بين أكثر من قذافي واحد، وإن اختبؤوا وراء لغة مغايرة، بينما تحولت الثورة في سوريا من المطالبة بالديمقراطية والحرية إلى بحر من الدماء مازال ينزف إلى حدود كتابة هذه الأسطر.

كان للثورات طعم التحرر من أمراض نفسية واجتماعية وإنسانية متراكمة، جعلت الفرد العربي مجرد عبد مقموع وخادم أمين من أجل النظام الذي يحكمه. وفتحت الانتفاضات الشعبية أفقا غير مسبوق في حرية التعبير عبر أرجاء الوطن العربي؛ هذه الحرية التي شاءت الأقدار أن تبرهن للأنظمة الحالية، بعضها قديم، وبعضها لقيط، عن كرهها لها، وبالتالي كره المواطن العربي لدولته، فقانون المظاهرات المصري يعتبر ردة استثنائية في العالم المعاصر، كما أن قانون المدونة الرقمية بالمغرب يعتبر انتكاسة حقوقية وقانونية. فهل توقف قطار الثورات والانتفاضات العربية هنا ؟

يعلمنا تاريخ الثورات أنها أشبه بتحولات النار التي قد تخبو دون أن تنطفئ تماما، وتستعر بهَبّة ريح من أي جهة ما، ما دامت شروط استعادة الشرر لوهجه كامنة في أحشاء الرماد. وبما أن المقام لا يتسع لذكر تطورات الثورات التاريخية سواء في فرنسا أو في أنجلترا، أو في روسيا سابقا أو في الولايات المتحدة الأمريكية أو في أي دولة من الدول التي شهدت ثورات مختلفة، هنا وهناك، كإيران مثلا، فإن القاعدة الأساسية هي أن تلك الثورات لا تلتزم بقاعدة ما، كالبحث مثلا في طبيعة الخلفيات الثقافية، أو في نوع الأسباب التي تظل نفسها، بما أننا نتحدث عن ثورات وانتفاضات وليس عن انقلابات أو تحولات انتقائية، قد يقوم بها حزب ما أو تيار ما.

لقد منحتنا الثورات العربية دفقة جديدة من الحياة رغم فشلها -باستثناء تونس-، وغيرت رؤيتنا إلى كينونتنا، وأمدتنا بشيء جديد في أنطولوجية الحكم في المنطقة العربية، إذ لأول مرة تفرض الشعوب على حاكم عربي الهرب من قصره ذليلا حسيرا، وتعتقل حاكما بعد تنحيته من الحكم، وتشارك في اغتيال حاكم آخر، وإن في ظروف مشبوهة ليصير الحاكم أمثولة وأضحوكة أمام العالم . وهو الذي حسب أنه إله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو الذي ظن أن شعبه مجرد قطيع خنوع لا يمتلك أظافرا لخمش الظالم المستبد.

لأول مرة يصرخ المواطن العربي في وجه الحاكم الظالم، ولأول مرة يرضخ مجموعة من الحكام لضغط الشارع العربي، سواء كان هذا الخضوع مرحليا وتكتيكيا أو تحت ضغط دولي، أو كان عن قناعة، وهذا ما لم يصنعه أي حاكم عربي إلى الآن. لكن ما يهم هنا هو أن كل الحكام العرب إبان ذروة الثورات العربية ساورهم نوع من الخوف الذي يعشعش في وجدان كل فرد عربي. وصار بإمكاننا أن نرى في عيونهم علامات الخوف والحذر، ونقرأ على جباههم كل ضروب الحسابات من الضرب إلى الجمع إلى القسمة والطرح. وهم الذين كانوا لا يعرفون إلا ضربا واحدا من الحساب؛ هو الجمع.

خبت جذوة الثورات في العالم العربي، لكنها لم تمت ولم تنطفئ. وتمت فوضنة الثورة في سوريا، والانقلاب على بعض تجلياتها في مصر، وخلخلة مساراتها في تونس، تحويلها إلى صراع وحرب أهلية في ليبيا، وتحريفها في اليمن وتحويلها إلى اقتتال طائفي، وبيع الحراك الشعبي في المغرب مقابل تنازلات دستورية للشعب، لكنهم عجزوا عن إخفاء معالمها. قد يخذلنا التاريخ، وقد نتسرع في جني الثمرات، وقد نسقط مرة وأخرى، لكن الشعوب تعلمت كيفية النهوض في وجه الحاكم الظالم المستبد الفاسد وهو ما يحتاج إلى ترسيخ في وجدان الشباب وفي وجدان كل فرد عربي، وكل حر وحرة، كي تترسخ لغة الرفض لكل ما يخرجنا عن إنسانيتنا، ويجرح كرامتنا، ويسرق أرزاقنا، ويطبق علينا وحدنا قوانينه الجائرة. لهذا علينا أن نتذكر ثوراتنا وانتفاضاتنا، فقد أمدتنا بشيء أهم هو الانتباه إلى إنسانيتنا. وهذا هو المهم.

*ناشط سياسي وكاتب يوميات من تونس

=============================================================

ملاحظة: مقالات الرّأي لا تلزم غير أصحابها ولا تعبّر بالضرورة عن الخطّ التحريري لـ “لحظة بلحظة”

=============================================================