الرئيسية | غير مصنف | الاِنقلاب

الاِنقلاب

image_pdfimage_print

الأستاذ سامي براهم

الأستاذ سامي براهم

من يبحث عن “الاِنقلاب” سيجده في تقرير لجنة الحريّات الفرديّة والمساواة… وعبارة الاِنقلاب هنا وصف مجرّد ومحايد وليس له دلالة معياريّة… نعم ما ورد في التّقرير منذ ديباجته حتّى الجرد القانوني الشّامل لما يفترض أنّه مناقض للمساواة والحقوق الفرديّة في المنظومة القانونيّة هو بمثابة اِنقلاب تشريعيّ ناعم بغلاف تأصيليّ دينيّ… يعيد هندسة الأسرة والمجتمع والعلاقات العامّة بشكل يستجيب كما ورد في الوثيقة لتحوّلات بنيويّة وسويولوجيّة عميقة وجذريّة في بنية المجتمع والقيم والأدوار… “فكلّ تغيير يطرأ على بنى المجتمع سواء كان ماديّا أو رمزيّا يحدث تغيّرات في أنماط العلاقات وأشكال الوظائف ونظام الرّموز والقيم والتصوّرات”… ليس هو في تصوّر اللّجنة مجرّد تقرير فنّي لتعديل قوانين مخلّة بالمساواة والحريّات الفرديّة بل مشروع للإصلاح عنوانه المساواة والحريّات الفرديّة وهو مشروع كلّ التّونسيين والتّونسيّات وفق تصوّر اللّجنة.

الخيط النّاظم لهذا المشروع الإصلاحي كما يرى أصحاب التّقرير هو الإعلاء من شأن الفرد الّذي وقع التّضحية به لصالح الجماعة في المنظومة الفقهيّة الوسيطة، فبعد ما أحدثته مجلّة الأحوال الشّخصيّة من تغيّرات جوهريّة على بنية الأسرة حوّلتها من أسرة نوويّة إلى أسرة ذريّة مقتصرة على والدين وأبناء واِضمحلّت معها تدريجيّا الأسرة الموسّعة حدّ الاِندثار… بعد ذلك جاء دور مكوّنات الأسرة الذريّة نفسها لتشملها الإصلاحات الّتي تمكّنها من التّعبير عن فرديّتها وذاتيّتها في إطار “تحقيق الرّغبة في الاِستقلاليّة والتخلّص من الضّغط الاِجتماعي والعائليّ الّذي يعيق التمتّع بهذه الاِستقلاليّة”.

كلمة السرّ إذن هي الفرديّة إلى حدّ الفردانيّة، فبعد تشظّي العائلة يتشظّى الفرد ليتحوّل إلى سمات جندريّة تتعدّد بتعدّد النّوازع الذّاتيّة والميولات والأمزجة حتّى الحميميّة منها… بل تتحوّل الفردانيّات إلى هويّات قائمة بذاتها تحتاج للتّعبير عن ذاتها إلى تكسير الحواجز القانونيّة الّتي تحول دون ذلك سواء كانت مرجعيّتها دينيّة أو عرفيّة أو متعلّقة بما اُتّفق على أنّه آداب عامّة.
ووقع الاِستناد في إضفاء المشروعيّة على هذا التصوّر على رصد وظيفيّ موجّه لمظاهر التحوّلات الاِجتماعيّة ثمّ على آليّة الاِجتهاد من خلال القياس والمقاصد…

هذا المشروع الإصلاحي المفترض الّذي وقع تفصيله في بقيّة الوثيقة يعبّر عن رؤية اللّجنة المكلّفة من رأس السّلطة التّنفيذيّة كما يعبّر عن وجهة فئات من التّونسيين قلّوا أو كثروا، لكن هل هو اِستجابة لطلب مجتمعيّ؟ وهل يعبّر عن حاجة المجتمع؟ وهل يتلاءم حقيقة مع حاجات التّونسيين والتّونسيّات في هذه اللّحظة الرّاهنة؟

في كلّ الحالات هذا المشروع المفضي إلى منظومة تشريعيّة جديدة هو بمثابة دستور جديد للبلاد في أبوابه المتعلّقة بالحقوق والعلاقات العامّة وبنية الأسرة والمجتمع… وهو اِنقلاب جذريّ سيترتّب عنه تفكيك ناعم وتدريجيّ لمنظومة مجتمعيّة ثقافيّة قيميّة رمزيّة قائمة وتشكيل أخرى بقوّة القوانين والتّموقع في السّلطة بعيدا عن حراك المجتمع المنشغل بتحصين الاِنتقال الدّيمقراطيّ والمطالب التّنمويّة…

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: